الصفحة الرئیسیة / المقالات / دائرة المعارف الإسلامیة الکبری / القانون / ابن رشد، أبوالولید محمد /

فهرس الموضوعات

ابن رشد، أبوالولید محمد

ابن رشد، أبوالولید محمد

تاریخ آخر التحدیث : 1442/11/13 ۰۹:۱۹:۱۵ تاریخ تألیف المقالة

والمحور الأساس لنظریات ابن رشد في هذا المجال أن الفلسفة خاصة بالخاصة والشریعة للجمیع أو عامة الناس، وبتعبیره لـ «الجمهور». وهدف ‌الدین أو الشریعة سعادة عامة الناس وهدف الفلسفة سعادة بعضهم أو كما یقول «لأن الفلسفة إنما تنحو نحو تعریف سعادة بعض الناس العقلیة وهو من شأنه أن یتعلم الحكمة، والشرائع تقصد تعلیم الجمهور عامة» (تهافت، 582). وعلی هذا الأساس یؤكد ابن رشد مراراً علی أنه یجب عدم الخلط بین مسائل الفلسفة ومسائل العقیدة، لأنه كما یصرح في أحد المواضع «إن الخلط بین الفلسفة والدین یسبب الضرر لكلیهما معاً، ویهدم مذهب أرسطو» («التفسیر الكبیر» لكتاب الطبیعة لأرسط، «مجموعة آثار أرسطو»، IV/1,3). وذلك لأن الفلسفة ترتبط بالعقل والمبادئ العقلیة فحسب، أما ‌الدین فیعتمد علی الوحي والعقل معاً، ولعقل الإنسان حدود معینة لایمكن تجاوزها. ویقول ابن رشد عن الغزالي مؤكداً علی هذه النقطة كفیلسوف أصیل یذعن لكل كلام صحیح أو حقیقة أینما كانت ومن كان قائلها: «قوله إن كل ما قصُرت عن إدراكه العقول الإنسانیة فواجب أن نرجع فیه إلی الشرع حق؛ وذلك أن العلم المتلقی من قبل الوحي إنما جاء متمماً لعلوم العقل، أعني أن كل ما عجز عنه (عن إدراكه) العقل أفاده الله تعالی الإنسان من قبل الوحي» (تهافت، 255). وعلی هذا فمبادئ ‌الدین والشرع في رأي ابن رشد مزیج من العقل والوحي، فلایمكن للدین ولاینبغي له أن یقوم علی أساس العقل والأسس العقلیة فحسب، ذلك لأن ابن رشد یعتقد بأنه «إذا كانت الصنائع البرهانیة في مبادئها المصادرات والأصول الموضوعة، فكم بالحريّ یجب أن یكون ذلك في الشرائع المأخوذة من الوحي والعقل؛ وكل شریعة كانت بالوحي فالعقل یخالطها، ومن سلّم أنه یمكن أن تكون ههنا شریعة بالعقل فقط فإنه یلزم ضرورة أن تكون أنقص من الشرائع التي استنبطت بالعقل والوحي؛ والجمیع متفقون علی أن مبادئ العمل یجب أن تؤخذ تقلیداً إذ كان لا سبیل إلی البرهان علی وجوب العمل، إلا بوجود الفضائل الحاصلة عن الأعمال الخلقیة والعملیة» (ن.م، 584).

ویصرح ابن رشد في موضع آخر بقوله: «یجب علی كل إنسان أن یسلم مبادئ الشریعة وأن یقلد فیها ولابدّ الواضع لها، فإن جحدها والمناظرة فیها مبطل لوجود الإنسان… والذي یجب أن یقال فیها إن مبادئها هي أمور إلهیة تفوق العقول الإنسانیة، فلابد أن یعترف بها مع جهل أسبابها» (ن.م، 527). ثم یبین ابن رشد المرحلة التالیة لتكامل نشأة الإنسان في اتباع مبادئ الشریعة فیقول: «فإذا نشأ الإنسان علی الفضائل الشرعیة كان فاضلاً بإطلاق، فإن تمادی به الزمان (العمر) والسعادة إلی أن یكون من العلماء الراسخین في العلم فعرض له تأویل في مبدأ من مبادئها ففرضه أن لایصرح بذلك التأویل، وأن یقول فیه كما قال سبحانه: «والراسخون في العلم یقولون آمنا به كل من عند ربنا» (آل عمران/ 3/7)» (تهافت، 528).

ونحن نجد آراء ودراسات ابن رشد للتوفیق بین‌ الدین والفلسفة قبل كل شيء في كتابه فصل المقال. فإنه یبدأ الحدیث في هذا الكتاب بهذا السؤال: هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع، أم محظور، أم مأموریه؟، فیقول: «إن كان فعل الفلسفة لیس شیئاً أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها، من جهة دلالتها علی الصانع، أعني من جهة ما هي مصنوعات، فإن الموجودات إنما تدل علی الصانع بمعرفة صنعتها وإنه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم، كانت المعرفة بالصانع أتم… فإن الشرع دعا إلی اعتبار الموجودات بالعقل وتطلّب معرفتها به، فذلك بیِّن في غیر ما آیة من كتاب الله تبارك وتعالی مثل قوله تعالی «فاعتبروا یا أولي الأبصار»، وهذا نصٌّ علی وجوب استعمال القیاس العقلي أو العقلي والشرعي معاً… واذا تقرر أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها، وكان الاعتبار لیس شیئاً أكثر من استنباط المجهول من المعلوم، واستخراجه منه، وهذا هو القیاس أو بالقیاس، فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقیاس العقلي. وبیّن أن هذا النحو من النظر الذي دعا إلیه الشرع وحث علیه هو أتم أنواع النظر بأتم أنواع القیاس، وهو المسمی برهاناً. وعلی هذا إذا كان الشرع قد حث علی معرفة الله تعالی وسائر موجوداته بالبرهان. وكان من الأفضل أو الأمر الضروري لمن أراد أن یعلم الله تبارك وتعالی وسائر الموجودات بالبرهان أن یتقدم أولاً فیعلم أنواع البراهین وشروطها، وبماذا یخالف القیاس البرهاني القیاس الجدلي، والقیاس الخطابي والقیاس المغالطي، وكان لایمكن ذلك دون أن یتقدم فیعرف قبل ذلك ما هو القیاس المطلق وكم أنواعه وما منه قیاس وما منه لیس بقیاس، وذلك لایمكن أیضاً إلا ویتقدم فیعرف قبل ذلك أجزاء القیاس التي منها تركب، أعني المقدمات وأنواعها؛ فقد یجب علی المؤمن بالشرع الممتثل أمره بالنظر في الموجودات أن یتقدم قبل النظر فیعرف هذه الأشیاء التي تتنزل من النظر منزلة الآلات من العمل. فإنه كما أن الفقیه یستنبط من الأمر بالتفقه في الأحكام، وجوب معرفة المقاییس الفقهیة علی أنواعها وما منها قیاس وما منها لیس بقیاس كذلك یجب علی العارف أن یستنبط من الأمر بالنظر في الموجودات وجوب معرفة القیاس العقلي وأنواعه، بل هو أحری بذلك، لأنه إذا كان الفقیه یستنبط من قوله تعالی «فاعتبروا یا أولي الأبصار» وجوب معرفة القیاس الفقهي فكم بالحريّ والأولی أن یستنبط من ذلك العارف بالله وجوب معرفة القیاس العقلي. ولیس لقائل أن یقول: إن هذا النوع من النظر في القیاس العقلي بدعة، إذ لم ‌یكن في الصدر الأول؛ فإن النظر أیضاً في القیاس الفقهي وأنواعه هو شيء استنبط بعد الصدر الأول ولیس یُری أنه بدعة» (ص 5-8).

ثم یقول ابن رشد، إن غیرنا قد حقق في القیاس العقلي، ولذا یجب علینا أن نستعین بما قاله من تقدمنا في ذلك وسواء أكان ذلك الغیر مشاركاً لنا أو غیر مشارك في الملة، والمراد من «غیر المشارك» القدماء قبل الإسلام. وإذا كان القدماء قد بحثوا في أمر المقاییس العقلیة أتم بحث، فقد ینبغي أن نضرب بأیدینا إلی كتبهم فننظر فیما قالوه من ذلك. وهذا الأمر صادق في كل العلوم من الریاضیات والفقه، فإنه لیس منه صناعة یقدر أن ینشئها واحد بعینه ما لم‌ یستعن بعمل القدماء، فكیف بصناعة الصنائع وهي الحكمة (الفلسفة). وإذا كان هذا هكذا فقد یجب علینا إن ألفینا لمن تقدمنا من الأمم السالفة نظراً في الموجودات واعتباراً لها بحسب ما اقتضته شرائط البرهان أن ننظر في الذي قالوه من ذلك. وما أثبتوه في كتبهم فما كان منها موافقاً للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم علیه، وما كان منها غیر موافق للحق، نبهنا علیه وحذرنا منها وعذرناهم (ن.م، 10-11).

ثم یضیف ابن رشد قائلاً: إن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع، إذ كان مغزاهم في كتبهم ومقصدهم هو المقصد الذي حثنا الشرع علیه، وإن من نهی عن النظر فیها، من كان أهلاً للنظر فیها (وهو الذي جمع أمرین أحدهما ذكاء الفطرة والثاني العدالة الشرعیة والفضیلة الخلقیة)، فقد صدّ الناس عن الباب الذي دعا الشرع منه الناس إلی معرفة الله، وهو باب النظر المؤدي إلی معرفته حق المعرفة، وذلك غایة الجهل والبعد عن الله تعالی. ولیس یلزم من أنه إن غوی غاوٍ بالنظر فیها وزل زالّ إما من قبل نقص فطرته وما من قبل سوء ترتیب نظره فیها، أو من قبل غلبة شهواته علیه، أو أنه لم‌ یجد معلماً یرشده إلی فهم ما فیها، أو من قبل اجتماع هذه الأسباب فیه، أو أكثر من واحد منها، أن یمنعها عن الذي هو أهل للنظر فیها، فإن هذا النحو من الضرر الداخل من قبلها هو شيء لحقها بالعرض لا بالذات. ولیس یجب فیما كان نافعاً بطباعه وذاته أن یترك لمكان مضرة موجودة فیه بالعرض. وهذا الذي عرض لهذه الصناعة (الفلسفة) هو شيء عارض لسائر الصنائع، فكم من فقیه كان الفقه سبباً لقلة تورعه وخوضه في الدنیا، بل أكثر الفقهاء كذلك نجدهم، وصناعتهم إنما تقتضي بالذات الفضیلة العملیة (ن.م، 11-12).

ویتابع ابن رشد الحدیث فیقول: وإذا تقر هذا كله، وكنا نعتقد معشر المسلمین أن شریعتنا هذه الإلهیة حق وأنها التي نبهت علی هذه السعادة ودعت إلیها التي هي المعرفة بالله عزوجل وبمخلوقاته، فإن ذلك متقرر عند كل مسلم من الطریق الذي اقتضته جبلّته وطبیعته من التصدیق. وذلك أن طباع الناس متفاضلة في التصدیق، فمنهم من یصدق بالبرهان، ومنهم من یصدق بالأقاویل الجدلیة تصدیق صاحب البرهان بالبرهان، إذ لیس في طباعه أكثر من ذلك، ومنهم من یصدق بالأقاویل الخطابیة كتصدیق صاحب البرهان بالأقاویل البرهانیة. وذلك أن شریعتنا قد ‌دعت الناس من هذه الطرق الثلاث إلی معرفة الله والموجودات، وذلك صریح في قوله تعالی: «أُدع إلی سبیل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» (النحل/16/125). وإذا كانت هذه الشریعة حقاً وداعیة إلی النظر المؤدي إلی معرفة الحق، فإنا معشر المسلمین نعلم علی القطع أنه لایؤدي النظر البرهاني إلی مخالفة ما ورد به الشرع. فإن الحق لایضاد الحق بل یوافقه ویشهد له (فصل، 12، 13). ویورد ابن رشد من هذا الطریق نظریته الأساس وهي أن للشریعة ظاهراً وباطناً «فإن أدی النظر البرهاني إلی نحوما من المعرفة بموجود ما، فلایخلو ذلك الموجود أن یكون قد سكت عنه في الشرع أو عرّف به، فإن كان مما قد سُكت عنه فلا تعارض هنالك، وهو بمنزلة ماسُكت عنه من الأحكام فاستنبطها الفقیه بالقیاس الشرعي، وإن كانت الشریعة نطقت به، فلایخلو ظاهر النطق أن یكون موافقاً لما أدی إلیه البرهان فیه أو مخالفاً. فإن كان موافقاً فلا قول هنالك، وإن كان مخالفاً طُلب هنالك تأویل» (ن.م، 13-14). وهنا یورد ابن رشد نظریته المهمة حول التأویل، والتي یمكن اعتبارها أساس أبحاثه حول التوافق بین ‌الدین والفلسفة، فیقول «ومعنی التأویل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقیقیة إلی الدلالة المجازیة، من غیر أن یخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوز، من تسمیة الشيء بشبیهه أو بسببه أو لاحقه أو مقارنه أو غیر ذلك من الأشیاء التي عُددت في تعریف أصناف الكلام المجازي. وإذا كان الفقیه یفعل هذا في كثیر من الأحكام الشرعیة، فكم بالحري أن یفعل ذلك صاحب علم البرهان. فإن الفقیه إنما عنده قیاس ظني، والعارف عنده قیاس یقیني. ونحن نقطع قطعاً أن كل ما أدی إلیه البرهان وخالفه ظاهر الشرع أن ذلك الظاهر یقبل التأویل علی قانون التأویل العربي» (ن.م، 14). وبذلك یمكن الجمع بین المعقول والمنقول «بل نقول إنه ما من منطوق به في الشرع مخالف بظاهره لما أدی إلیه البرهان، إلا إذا اعتُبر الشرع وتُصُفحت سائر أجزائه وُجد في ألفاظ الشرع ما یشهد بظاهره لذلك التأویل أو یقارب أن یشهد. والسبب في ورود الشرع فیه الظاهر والباطن هو اختلاف فطر الناس وتباین قرائحهم في التصدیق؛ والسبب في ورود الظواهر المتعارضة فیه هو تنبیه الراسخین في التصدیق؛ والسبب في ورود الظواهر المتعارضة فیه هو تنبیه الراسخین في العلم علی التأویل الجامع بینها. وإلی هذا المعنی وردت الإشارة بقوله تعالی: «هو الذي أنزل علیك الكتاب، منه آیات محكمات…» إلی قوله: «والراسخون في العلم» (آل عمران/3/7)» (فصل، 14،15).

والآن وقد ثبتت ضرورة التأویل. یرد هذا السؤال: ما هي طریقة وشروط وقواعد التأویل؟ ویسعی ابن رشد للجواب عن هذا السؤال في ختام كتاب مناهج الأدلة، فیقول: «إن المعاني الموجودة في الشرع توجد علی خمسة أصناف، وذلك أنها تنقسم أولاً إلی صنفین: صنف غیر منقسم، وینقسم الآخر منهما إلی أربعة أصناف: فالصنف الأوّل الغیر منقسم هو أن یكون المعنی الموجود بنفسه. والصنف الثاني المنقسم هو أن لایكون المعنی المصرَّح به في الشرع هو المعنی الموجود، وإنّما أخذ بدله علی جهة التمثیل. وهذا الصنف ینقسم أربعة أقسام: أوّلها أن یكون المعنی الذي صُرّح بمثاله لایُعلم وجوده إلا بمقاییس بعیدة مركبة تتعلّم في زمان طویل وصنائع جمة، ولیس یُمكن أن تقبلها إلا الفطر الفائقة، ولایُعلم أنّ المثال الذي صُرّح به فیه هو غیر الممثَّل إلا بمثل هذا البُعد الذي وصفنا. والثاني مقابل هذا، وهو أن یكون یُعلم بعلم قریب منه الأمران جمیعاً، أعني كون ما صُرّح به أنّه مثال، ولماذا هو مثال. والثالث أن یكون یُعلم بعلم قریب أنّه مثال لشيء، ویُعلم لماذا هو مثال بعلم بعید. والرابع عكس هذا، وهو أن یُعلَم بعلم قریب لماذا هو مثال، ویُعلم بعلم بعید أنّه مثال. فأما الصنف الأول من الصنفین الأولین فتأویله خطأ بلاشك. وأمّا الصنف الأول من الثاني، وهو البعید في الأمرین جمیعاً، فتأویله خاصّ في الراسخین في العلم، ولایجوز التصریح به لغیر الراسخین. وأما المقابل لهذا، وهو القریب في الأمرین، فتأویله هو المقصود منه والتصریح به واجب. وأما الصنف الثالث فالأمر لیس فیه كذلك، وأنّ هذا الصنف لم‌ یأت فیه التمثیل من أجل بُعده عن أفهام الجمهور، وإنّما أتی فیه التمثیل لتحریك النفوس إلیه، وهذا مثل قوله علیه السلام «الحجر الأسود یمین اللّه في الأرض» وغیره ممّا أشبه هذا، ممّا یُعلَم بنفسه أو بعلم قریب أنّه مثال ویُعلم بعلم بعید لماذا هو مثال. فإنّ الواجب في هذا أن لایتأوله إلا الخواص من العلماء. ویقال للذین شعروا أنّه مثال ولم یكونوا من أهل العلم لماذا هو مثال، إما أنه من المتشابه الذي یعلمه العلماء الراسخون في العلم، وإما أن یُنقل التمثیل فیه لهم إلی ما هو أقرب من معارفهم أنّه مثال. وهذا كأنّه أولی من جهة إزالة الشبهة التي في النفس من ذلك» (ص 246-247).

ویوصي ابن رشد هنا بطریقة الغزالي لإیجاد قاعدة وطریقة للتأویل، فیقول إن القانون الذي ینبغي اتباعه في هذه الحالة هو طریقة أبي حامد الغزالي في كتاب التفرقة («رسالة فیصل التفرقة بین الإسلام والزندقة»، في الجواهر الغوالي من رسائل الغزالي، تقـ: محیي‌ الدین صبري الكردي، القاهرة، 1934م). فهو یقول بهذا الشأن: «والقانون في هذا النظر هو ما سلكه أبو حامد في كتاب التفرقة، وذلك بأن یعرف هذا الصنف أنّ الشيء الواحد بعینه له وجودات خمس: الوجود الذي یسمیه أبو حامد «الذاتي» و«الحسّي» و«الخیالي» و«العقلي» و«الشبهي». فإذا وقعت المسألة، نظر أيّ هذه الوجوات الأربع هي أقنع عند الصنف الذي استحال عندهم أن یكون الذي عُني به هو الوجود الذاتي، أعني الذي هو خارج، فیُنزل لهم هذا التمثیل علی ذلك الوجود الأغلب علی ظنهم إمكان وجوده، وفي هذا النحو یدخل قوله علیه السلام «ما من شيء لم ‌أره إلا وقد رأیتُه في مقامي هذا حتی الجنة والنار»، وقوله «بین حوضي ومنبري روضة من ریاض الجنة ومنبري علی حوضي»، وقوله «كلّ ابن آدم یأكله التراب إلا عجب الذنب». فإنّ هذه كلّها تُدرك بعلم قریب أنّها أمثال ولیس یُدرك لماذا هي أمثال إلا بعلم بعید. فیجب في هذا أن یُنزَل للصنف الذین شعروا بهذا من الناس علی أقرب تلك الوجودات الأربع شبهاً» (فصل، 49-50). ویتابع ابن رشد حدیثه فیقول: «وأما الصنف الرابع فهو المقابل لهذا، وهو أن یكون كونه مثالاً معلوماً بعلم بعید، إلا أنّه إذا سُلّم أنّه مثال ظهر عن قریب لماذا هو مثال. ففي تأویل هذا أیضاً نظر، أعني عند الصنف الذین یدركون أنّه إن كان مثالاً فلماذا هو، ولیس یدركون أنّه مثال إلا بشبهة وأمر مُقنع، إذ لیسوا من العلماء الراسخین في العلم. فیحتمل أن یقال إنّ الأحفظ بالشرع أن لاتُتأوّل هذه وتُبطل عند هؤلاء الأمور التي ظنّوا من قبلها أنّ ذلك القول مثال، وهو الأولی. ویحتمل أیضاً أن یُطلق لهم التأویل لقوّة الشبه الذي بین ذلك الشيء وذلك الممثَّل به، إلا أنّ هذین الصنفین [3 و4] متی أبیح التأویل فیهما تولّدت منهما اعتقادات غریبة وبعیدة من ظاهر الشریعة، وربّما فشت فأنكرها الجمهور. وهذا هو الذي عرض للصوفیّة ولمن سلك من العلماء هذا المسلك، ولمّا تسلّط علی التأویل في هذه الشریعة من لم‌تتمیز له هذه المواضع ولاتمیز له الصنف من الناس الذین یجوز التأویل في حقهم، اضطرب الأمر فیها وحدث فیهم فِرَق متباینة یكفّر بعضهم بعضاً، وهذا كلّه جهل بمقصد الشرع وتعدّ علیه» (ن.م، 50-51).

ثم یتحدث ابن رشد عن نقطة مهمة أخری علی أساس نظریاته في التأویل وهي أثر جانب من نظریة المعرفة في آفاق التربیة والتعلیم الاجتماعي وترتیب المواهب الإنسانیة للتعلّم، فیقول «لما كان مقصود الشرع تعلیم العلم الحق والعمل الحق، وكان التعلیم صنفین تصوراً وتصدیقاً –كما بیّن ذلك أهل العلم بالكلام– وكانت طرق التصدیق الموجودة للناس ثلاثاً: البرهانیة والجدلیة والخطابیة، وطرق التصور اثنتان إما الشيء نفسه وإما مثاله. وكان الناس كلهم لیس في طباعهم أن یقبلوا البراهین ولا الأقاویل الجدلیة، فضلاً عن البرهانیة، مع ما في تعلم الأقاویل البرهانیة من العسر، والحاجة في ذلك إلی طول الزمان لمن هو أهل لتعلمها. وكان الشرع إنما هو مقصوده تعلیم الجمیع، وجب أن یكون الشرع یشتمل علی جمیع أنحاء طرق التصدیق وأنحاء طرق التصور». ثم یقسم ابن رشد الناس علی هذا الأساس إلی ثلاثة أصناف: 1. صنف لیس هو من أهل التأویل أصلاً، وهم الخطابیون الذین هم الجمهور الغالب، وذلك أنه لیس یوجد أحد سلیم العقل یعری من هذا النوع من التصدیق؛ 2. صنف هو من أهل التأویل الجدلي، وهؤلاء هم الجدلیون بالطبع فقط أو بالطبع والعادة؛ 3. صنف هو من أهل التأویل الیقیني، وهؤلاء هم البرهانیون بالطبع ولاصناعة، أعني صناعة الحكمة، وهذا التأویل لیس ینبغي أن یصرح به لأهل الجدل فضلاً عن الجمهور. ومتی صرّح بشيء من هذه التأویلات لمن هو من غیر أهلها وبخاصة التأویلات البرهانیة لبعدها عن المعارف المشتركة، أفضی ذلك بالمصرِّح به والمصرِّح له إلی الكفر. والسبب في ذلك أن التأویل یتضمن شیئین: إبطال الظاهر وإثبات المؤوّل، فإذا بطل الظاهر عند من هو من أهل الظاهر ولم یثبت المؤوّل عنده أداه ذلك إلی الكفر، إن كان في أصول الشریعة. فالتأویلات لیس ینبغي أن یصرح بها للجمهور ولا أن تثبت في الكتب الخطابیة أو الجدلیة، أعني الكتب التي الأقاویل الموضوعة فیها من هذین الصنفین كما صنع ذلك الغزالي (ن.م، 30-33). ویؤكد ابن رشد في متابعته لذلك قائلاً: «التأویل الصحیح هي الأمانة التي حُمّلها الإنسان فحملها وأشفق منها جمیع الموجودات» (ن.م، 36).

والنتیجة النهائیة التي یصل ابن رشد إلیها من أبحاثه حول التوافق بین ‌الدین والفلسفة أن «الحكمة هي صاحبة الشریعة والأخت الرضیعة… وهما المصطحبتان بالطبع، المتحابتان بالجوهر والغريزة» (ن.م، 39). ویمكن بالاعتماد علی هذه الدراسات الوصول إلی هذه النتیجة بكل طمأنینة وهي أن ابن رشد فیلسوف مُسلم صحیح الإیمان غیر حائد عنه، ولایعثر في آرائه علی تناقض بین تعالیم ‌الدین وتعالیم الفلسفة، حیث لیس من تضاد بین نزعته إلی العقل ونزعته إلی الإیمان، ولهذا فإن الصورة التي رسمت له في أوساط مدارس القرون الوسطی والكنسیة، والتي تنم عن أنه عالم غیر مؤمن، لیست صحیحة بأي وجه، وأكثر ما نسبه أتباع مدارس القرون الوسطی إلیه هو من خیالهم وتصوراتهم واتخذوا منه معتمداً لبیان آرائهم، ویمكن اعتبار استنتاجات إرنست رینان في كتابه عن ابن رشد من هذا النوع أیضاً، ولكن من الواضح تماماً أن ما یتوصل إلیه فیلسوف كابن ‌رشد من الشریعة غیر ما یتوصل إلیه الجمهور وحتی المتكلمون المعتزلة والأشعریة، حیث نراه لایتورع نفسه عن ذكره بقوله «فإن الشریعة الخاصة بالحكماء هي الفحص عن جمیع الموجودات إذ كان الخالق لایعبد بعبادة أشرف من معرفة مصنوعاته التي تؤدي إلی معرفة ذاته سبحانه علی الحقیقة الذي هو أشرف الأعمال عنده وأحظاها لدیه، جعلنا الله وإیاكم ممن استعمله بهذه العبادة التي هي أشرف العبادات واستخدمه بهذه الطاعة التي هي أجلّ الطاعات» (تفسیر، 1/10).

 

المصادر

ابن الأبار، محمد، التكملة، تقـ: عزت العطار الحسیني، القاهرة، 1357هـ؛ ابن أبي أصیبعة، أحمد، عیون الأنباء، بیروت، 1377هـ/1957م؛ ابن أبي زرع، علي، الأنیس المطرب، الرباط، 1972م؛ ابن بشكوال، خلف، الصلة، القاهرة، 1966م؛ ابن رشد، محمد، تفسیر ما بعد الطبیعة، تقـ: موریس بویج، بیروت، 1938م؛ م.ن، تلخیص كتاب النفس، تقـ: أحمد فؤاد الدهواني، القاهرة، 1950م؛ م.ن، تلخیص منطق أرسطو، تقـ: جیرارجهامي، بیروت، 1982م؛ م.ن، تهافت التهافت، تقـ: موریس بویج، بیروت، 1930م؛ م.ن، فصل المقال، تقـ: جورج فضلو الحوراني، لیدن، 1959م؛ م.ن، مناهج الأدلة في عقائد الملة، تقـ: محمود قاسم، القاهرة، 1964م؛ ابن صاحب الصلاة، عبد الملك، المن بالإمامة، تقـ: عبد الهادي التازي، بیروت، 1987م؛ ابن عربي، محیي الدین، الفتوحات المكیة، القاهرة، 1329هـ؛ الذهبي، محمد، سیر أعلام النبلاء، تقـ: بشار عواد معروف ومحیي هلال السرحان، بیروت، 1404هـ/1984م؛ شوری، المخطوطات؛ شیرواني، محمد، فهرست نسخه‌هاي خطي كتابخانۀ وزیري یزد، طهران، 1350-1358ش؛ عنان، محمد عبد الله، عصر المرابطین والموحدین، القاهرة، 1984م؛ الغزالي، محمد، تهافت الفلاسفة، تقـ: م. بویج، بیروت، 1927م؛ القرآن الكریم؛ المراكشي، عبد الواحد، المعجب، تقـ: محمد سعید العریان ومحمد العربي العلمي، القاهرة، 1368هـ؛ المراكشي، محمد، الذیل والتكملة؛ تقـ: إحسان عباس، بیروت، دارالثقافة، 1973م؛ المركزیة، المخطوطات؛ ملك، المخطوطات؛ وأیضاً:

Alonso, Manuel., Theologia de Averroes, estudios y documentos, Madrid, 1947; Arberry; Arberry, AJ., A Second Supplementary Handlist of the Muhammadan Manuscripts in the University and Colleges of Cambridge, Cambridge, 1952; Aristotelis, Opera amnia, Venice, 1574; Averrois cordubensis commentarium magnum in Aristotelis de Anima libros, ed.. F. Stuart Crawford, Massachusetts, 1953; Badawi, Abdurrahman, Histoire da la Philosophie en Islam, Paris, 1972; Duhm, Pierre, Le systeme du monde, histoire des doctrines cosmologiques de Platon á Copernic, Paris, 1973; ESC1; ESC2; Gauthier, Léon, Ibn Rochd (Averroes), Paris, 1948; Munk, S., Mélanges de philosophie luive et arabe, Paris, 1955; Opera omnia Aristotelis, Averrois cordubensis in ea opera omnes, quiad nos pervenere, commentarii, Venice, 1560; Renan, Ernest, Averroes et l’Averroisme, Paris, 1867; Wüstenfeld, Ferdinand, Gesxhichte der arabischen Ārzte und Natur forsche, New YORK, 1840.

شرف ‌الدین خراساني (شرف)/ن.

الصفحة 1 من7

تسجیل الدخول في موقع الویب

احفظني في ذاکرتك

مستخدم جدید؟ تسجیل في الموقع

هل نسيت کلمة السر؟ إعادة کلمة السر

تم إرسال رمز التحقق إلى رقم هاتفك المحمول

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.:

التسجیل

عضویت در خبرنامه.

هل تم تسجیلک سابقاً؟ الدخول

enterverifycode

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.: