الصفحة الرئیسیة / المقالات / دائرة المعارف الإسلامیة الکبری / القانون / ابن رشد، أبوالولید محمد /

فهرس الموضوعات

ابن رشد، أبوالولید محمد

ابن رشد، أبوالولید محمد

تاریخ آخر التحدیث : 1442/11/13 ۰۹:۱۹:۱۵ تاریخ تألیف المقالة

ویعتبر ابن رشد في موضع آخر من تفسیر ما بعد الطبیعة هذا أن آخر هدف لمساعي الإنسان العقلیة والمعنویة هو الاتصال بالعقل الفعال فیما بعد الطبیعة وما وراء العالم، وبعد أن یشرح («التفسیر الكبیر»، 39) قول أرسطو في ما بعد الطبیعة (الكتاب XII، 1072b)، یقول: «ومن هنا یظهر كل الظهور أن أرسطا طالیس یری أن السعادة للناس بما هم ناس إنما هو اتصالهم بالعقل الذي تبین في كتاب النفس أنه مبدأ محرك وفاعل لنا… فالعقل الفعال من جهة ما هو مفارق ومبدأ لنا، قد یجب أن یحركنا علی جهة ما یحرك العاشق المعشوق، إن كانت كل حركة فقد یجب أن تتصل بالشيء الذي یحركها علی جهة الغایة فواجب أن نتصل بأخرة بهذا العقل المفارق حتی نكون قد علقنا بمثل هذا المبدأ الذي علقت به السماء كما یقول أرسطو وإن كان ذلك لنا زماناً یسیراً» (تفسیر، 3/1612، 1613، قا: 1617).

 

علم الوجود وعلم الكون

إن علم الكون عند ابن رشد أرسطي بصورة عامة، ونظریة الوجود والماهیة، وبحث أصالة هذا أو ذاك وتقدم واحد علی الآخر لم‌ یرد عند أرسطو وغیره من قدماء المشائین باشكل الذي ورد بعد قرون في الفلسفة الإسلامیة، فلكل من الوجود والموجود والماهیة عند أرسطو مكانه الخاص، ویجب التحقیق فیها كلاً علی حدة، فأرسطو قبل كل شيء ینزع إلی الواقعیة والطبیعیة، وعلی أساس هذه النزعة الواقعیة یمكن القول إن الموجود الواقعي خارج الذهن عنده، أو بعبارة أخری «هذا الشيء هنا» له أصالة وتقدم علی الماهیة التي تحصل من رد فعلنا الذهني والمعرفة. ویعتقد ابن رشد أیضاً بهذا الأمر ویتحدث عنه خلال تحقیقاته في المسائل المختلفة ویصطدم خلال ذلك بابن سینا ونظریاته بصورة خاصة. یقول في موضع: «الوجود (الأنیة أو الآنیة المعربة عن لفظة to einai الیونانیة) في الموجودات هي في الحقیقة معنی ذهني، وهو كون الشيء خارج النفس وما یدل علیه، فهو مرادف للصادق، وهي التي تدل علیه الرابطة الوجودیة [أي: یكون] في القضایا الحملیة علی تلك الدلالة، فإن لفظ الوجود یقال علی معنیین أحدهما ما یدل علیه «الصادق» مثل قولنا هل هذا الشيء موجود، أو لیس بموجود؟ وهل كذا یوجد كذا، أو لایوجد كذا؟ والمعنی الثاني ما یتنزل من الموجودات منزلة الجنس مثل قسمة الموجود إلی المقولات العشر وإلی الجوهر والعرض، وإذا فهم من «الموجود» ما یفهم من «الصادق» لم‌ یكن خارج النفس كثرة، وإذا فهم منه ما یفهم من الذات والشيء، كان اسم الموجود مقولاً علی واجب الوجود وعلی ما سواه بتقدم وتأخیر مثل اسم الحرارة المقول علی النار وعلی الأشیاء الحارة، هذا هو مذهب الفلاسفة» (تهافت، 302). ثم یقول ابن رشد في صراعه مع الغزالي ونقده لابن سینا «أما هذا الرجل (یعني الغزالي) فإنما بنی القول فیها علی مذهب ابن سینا، وهو مذهب خطأ؛ ذلك أنه (ابن سینا) یعتقد أن الأنیة –وهو كون الشيء موجوداً– شيء زائد علی الماهیة خارج النفس وكأنه عرض فیها… والوجود عند ابن سینا عرض لاحق للماهیة» (ن.م، 302-303، قا: 304). ونحن نشاهد براعم من نظریة «التشكیك في الوجود» عند ابن رشد – كما هي عند أرسطو– فهو یقول في موضع آخر: «إن اسم الموجود یقال علی أنواع كثیرة، ولیس یقال بنوع اشتراك الاسم مثل العین الذي یقال علی الذهب وعلی الجارحة وعلی النهر الصغیر وغیر ذلك من الأسماع، ولا هو أیضاً بتواطؤ مثل الحیوان والإنسان، وإنما هو من نوع الأسماء التي تقال علی أشیاء منسوبة إلی شيء واحد وهي التي تعرف في صناعة المنطق بالتي تقال بتقدیم وتأخیر لأنها وسط بین المتواطئة والمشتركة» (تفسیر، 1/302-303).

وكما رأینا من قبل فابن رشد تناول الموجود في موضع بمعنی «الصادق»، وتابع هذه المسألة في موضع آخر فقال «وذلك أن اسم الموجود یقال علی معنیین: أحدهما علی الصادق، والآخر علی الذي یقابله العدم، وهذا هو الذي ینقسم إلی الأجناس [المقولات] العشرة وهو كالجنس لها» (تهافت، 303). ثم یضیف قائلاً: والموجود الذي بمعنی الصادق هو معنی في النفس وهو كون الشيء خارج النفس علی ما هو علیه في النفس. وهذا العلم یتقدم بتقدم العلم بماهیة الشيء، أي أنه لایمكن البحث في معرفة ماهیة الشيء حتی یعلم أنه موجود (قا: أرسطو، «التحلیلات الثانیة»، الكتاب II، الفصل 92b,7: ذلك لمعرفة ماهیة الإنسان أو أي شيء آخر لابد أن یعرف أنه موجود) وأما الماهیة التي تسبق علم الوجود في أذهاننا فلیست في الحقیقة ماهیة وإنما هي شرح معنی اسم من الأسماء، وبهذا المعنی ورد في كتاب «المقولات»: إن كلیات الأشیاء المعقولة إنما صارت موجودة بأشخاصها، وأشخاصها معقولة بكلیاتها؛ وقیل في كتاب «النفس» لأرسطو: إن القوة التي بها یدرك أن الشيء مشار إلیه وموجود [قا: المصطلح الأرسطي: هذا الشيء هنا] غیر القوة التي یدرك بها ماهیة الشيء المشار إلیه. وبهذا المعنی قیل إن الأشخاص موجودة في الأعیان [أي الموجودات العینیة الخارجیة] والكلیات في الأذهان، وأما قول القائل إن الوجود أمر زائد علی الماهیة ولیس یتقوم به الموجود في جوهره [مذهب ابن سینا] فقول مغلّط (تهافت، 304، قا: 385: فالقول بأن الوجود عرض في الموجود باطل).ثم یستنتج ابن رشد قائلاً «إن وجود الشيء متقدم علی ماهیته» (ن.م، 392).

وابن رشد في علم الوجود وعلم الكون تابع وفيّ لأرسطو من جهة ویسعی من جهة أخری إلی تدارك ما یری من نقائص وصعوبات في آراء أرسطو في هذه المجالات وإزالتها، وهو یسعی من خلال ذلك إلی تصفیة علم الوجود وعلم الكون الأرسطیین من عناصر الأفلاطونیة الحدیثة الغریبة التي امتزجت بفعل عدد من الفلاسفة كالفارابي وبشكل خاص ابن سینا بالأفكار الأصیلة الأرسطیة. ونحن نجد علم الوجود وعلم الكون عند ابن رشد في مصنفاته الثلاثة المهمة: تهافت التهافت وتفسیره الكبیر علی ما بعد الطبیعة لأرسطو، وكتاب لطیف باسم «حدیث في الجوهر الفلكي» الذي ضاع أصله العربي، وبقیت ترجمته اللاتینیة. یقول في نهایة الفصل الأول من هذا الكتاب «وأوضحنا في هذا الكلام ما جوهر السماء، فما قلناه هنا یتفق مع ما أورده أرسطو في كتبه وما یستنتج من أقواله أیضاً ومع ذلك یبدو من حدیث أرسطو الخاص، أنه شرح كل هذه الأشیاء من قبل في عدد من الكتب لم‌ تصلنا. فلنسمّ هذه الرسالة «حدیث في جوهر الجرم الفلكي»، وهذا الاسم الذي عینته له یناسبه جداً» (دوئم، IV/533). وهدف ابن رشد الأساس في هذا الكتاب دراسة المسألة التالیة: ما هي المادة والصورة اللتان تتركب منهما الأجرام السماویة؟ ویقول: من الواضح قبل كل شيء أن هاتین المادة والصورة لایمكن أن تكونا من نوع المادة والصورة تشكل الجواهر الكائنة والفاسدة، وإن شبههما إنما هو اشتراكهما بالاسم فحسب. والآن یمكن التساؤل: ما الفرق بین الجوهر الفلكي والجواهر تحت فلك القمر؟ وللجواب عن هذا السؤال یجب الفحص أولاً: ما هي هذه الجواهر الأخیرة، ویجب أن یعین خاصة من خلال ذلك ما المفهوم الأرسطي والمشائي للمادة الأولی (الهیولى الأولی) والتي غیرها فلاسفة الأفلاطونیة الحدیثة المسلمون تغییراً كاملاً؟ إن ابن رشد یسعی خاصة إلی أن یدین بدع ابن سینا في هذا المجال.

علینا الآن أن نری كیف وصل أرسطو من وجهة نظر ابن رشد إلی مفهوم المادة الأولی؟ یبدأ ابن رشد بدراسة وشرح أنواع التغییرات التي تحدث في العام تحت فلك القمر ویقول إن هذه التغییرات نوعان: بعضها یحدث في أعراض موجود یحملها فقط، وهي من جهةٍ انبساط أو انقباض تغیر كمیة ذلك الموجود؛ واستحالة من جهة أخری تغیر كیفیة ذلك الموجود. والتغییرات الأخری التي تطرأ علی الصور الجوهریة التي كانت موجودة من قبل، تشكل صوراً جوهریة جدیدة؛ وكل من هذه التغییرات الأخیرة تسبب زوال جوهر وظهور جوهر آخر، ویعین أرسطو في كل هذه التغییرات – سواء أكانت جوهریة أو عرضیة – خصائص مشتركة یعدد ابن رشد خمسة منها: 1. كل تغیر یستلزم موضوعاً یختبر هذا التغیر؛ 2. إن ما یحصل فیه أو یوجد فیه لم‌ یكن قبل وجوده؛ 3. إن ما ینبغي أن یحصل فیه أو ما یوجد قبل الوجود هو أمر ممكن؛ 4. كل ما یوجد أو یحصل إثر التغیر هو مضاد لذلك الشيء الفاسد؛ 5. إن ذلك الذي فسد والذي وجد شیئان من جنس واحد. ولكن یوجد اختلاف عمیق بین التغیرات التي تحدث من جهة في الأعراض ومن جهة أخری في الفاسد والموجود، وذلك علی رغم ما بینهما من خصائص مشتركة. فموضوع كل تغیر عرضي هو فرد یوجد بالفعل. ویقول ابن رشد بالعكس فإنه عندما یجد الأفراد تغیراً في نفس جوهرهم، یلزم أن لایوجد موضوع هذا التغیر بالفعل وهو نفسه لیس له صورة تصنع الجوهر… والنتیجة، إن طبیعة الموضوع الذي تقبل الصور الجوهریة –وهي الهیولی الأولی– هي في الضرورة طبیعة ما هو بالقوة، أو علی حد تعبیر ابن رشد طبیعة «بالقوة للفصل الجوهري» له. وعلی هذا فلیس لذلك الموضوع أیة صورة خاصة، ولا أیة طبیعة موجودة بالفعل، «جوهره بالقوة»، ولهذا فالهیولی تقبل كل الصور وهذه القوة أو القدرة التي تجعل الموضوع جوهراً تختلف في طبیعتها مع الموضوع الذي یتجوهر بهذه القوة. والفرق هذا هو أن القوة تقال حسب الصورة أو بالاتصال بها (أي الصورة التي یقبلها الموضوع بالقوة). ولكن الموضوع فهو أحد الأشیاء الموجودة بالذات، فهذا هو العنصر الوحید والخالد لكل الموجودات التي توجد بالذات وهي التي جوهرها بالقوة ذاتیاً. ویقول ابن رشد إن فهم أو تصور هذا الأمر غیر میسر ما لم ‌یكن یحصل – كما یقول أرسطو– بالمقارنة أو مع شيء آخر.

ویبدو أن ابن رشد شرح رأي أرسطو في هذا المجال بدقة كبیرة. إن مجموع كل الإمكانیات باعتبارها «وجود القوة» موجودة كما یری أرسطو بنحو من الوجود أبدي وبالذات، ذلك أن شیئاً ممكناً لایمكن أن یكون بدایة لوجود ممكن، فإمكانه لایتم إلا من نفسه. وعلی هذا فإن مجموعة كل الممكنات هي التي تسمی «الهیولی الاولی» عند أرسطو والمشائین. ویُستخلص من دراسات ابن رشد هذه: أن الصورة الجوهریة في كل فرد واحدة، ولیس لهذا الأصل دور أساس في الاستنتاج الذي أشیر إلیه فحسب، وإنما قلّ وجود أصل مثله بین الأصول التي وضعها ابن رشد وأثارت اهتمام فلاسفة القرون الوسطی. فقد جاء هذا الأصل باعتباره أحد أسس «ما بعد الطبیعة» عند توما الأكویني. وحدثت في نهایة القرن 13م مناقشات واسعة بین المدافعین عن هذا الأصل ومعارضیه. وهنا لابد من الإشارة إلی أنه رغم جهود ابن رشد للتعریف بهذا الأصل وبصورة عامة بالبحوث المذكورة آنفاً للمذهب الأرسطي الأصیل، إلا أننا لانجد عند أرسطو هذا الأصل كما یعرضه ابن رشد، ولذا ربما یمكن القول إن ابن رشد أراد باللجوء إلی تعالیم أرسطو أن یستنبط مفهوماً لم‌ یبینه أرسطو ولم ‌یمهد له؛ غیر أن توضیح ابن رشد هذا كان یعتبر في ما بعد الطبیعة عند توما الأكویني وتلامذته بیاناً أصیلاً ومعتداً به لدی الفكر المشائي، بینما هو نظریة لابن رشد (ظ: دوئم، IV/538-540).

ویصل ابن رشد إثر دراساته إلی أن الهیولی الأولی قابلة للانقسام، وأن الأفراد المختلفین لنوع واحد یتمیزون بصورة جوهریة وحیدة، ولذلك یرتبطون بذلك النوع. أما سبب تمیزهم عن بعضهم فهو أن تلك الصورة الجوهریة الوحیدة تشكل أجزاء مختلفة من الهیولی الأولی والصور الجوهریة تنقسم إثر تقسیم الهیولی الأولی. وعلی هذا یختلف أفراد النوع الواحد عن الآخر نتیجة اختلف أجزاء الهیولی الأولی التي توجد في الأفراد من نوع واحد.

ویصل ابن رشد بمتابعة أبحاثه إلی هذه النتیجة وهي أن الجرم الفلكي لیس الشيء المركب من مادة وصورة كالجرم الذي هو معرض للكون والفساد. وأن الجرم الفلكي موجود بسیط غیر قابل للانقسام وله في نفسه شكل وأبعاد معینة؛ بینما السماء كلها أو الكون كله في الحركة؛ وعلی هذا یجب أن یكون مركباً من طبعتین: إحداهما جرم متحرك، والأخری محركة تمنحه الحركة. ولابد أن یكون هذا المحرك غیرقابل للتقسیم لأن أبدیة الحركة التي یوجدها دلیل علی أن قدرته غیر محدودة. إذن فإن تحرك أي جرم فلكي، مهما كان، هو طبیعة بسیطة لیست في الجرم الفلكي وغیر قابل للتقسیم، بل منفصل عنه تمام الانفصال. ومن ناحیة أخری ربما یمكن القول إن الجرم الفلكي مركب من المادة والصورة أیضاً بمعنی أن جسم تلك المادة والمحرك شيء مفارق للصورة، إلا أن اشتراك الاسم هذا بین الجوهر الفلكي وبین الجواهر المعرضة للكون والفساد یجب أن لایؤدي إلی تضلیلنا فننسی التمایز والاختلاف الرئیس بین الجرم الفلكي والأجسام التي تحت فلك القمر. ففي هذه الأجسام الأخیرة تكون المادة شیئاً وجوده بالقوة، والجسم لیس لصورته وجود مستقل عن المادة، بل توجد فیه وبواسطته. والحقیقة أن الانتقال إلی الفعلیة إحدی قوی هذه المادة، أما في الجرم الفلكي فبالعكس، إذ لیست المادة شیئاً یوجد بالقوة وإنما هو حامل وموضوع الصورة، غیر أنه موضوع یوجد بالفعل، ولكن الصورة فیه توجد مستقلة عن المادة. وبعبارة أخری الانتقال إلی الفعلیة هو قوة من تلك المادة، وعلی هذا حینما نتحدث عن جرم فلكي مماثل للأجسام التي تحت فلك القمر، فإنما ذلك علی أساس اشتراك الاسم فحسب؛ والحقیقة فإن طبائع الأجرام الفلكیة متمایزة تماماً (ظ: دوئم، IV/547-548، نقلاً عن «حدیث في جوهر الجرم الفلكي»). ثم یضیف ابن رشد أنه یمكن مشاطرة أرسطو الرأي في أنه قد یوجد في جرم فلكي في نفس الوقت شيء بالقوة، یعني أن هذا الجرم یمكن بالقوة أن یشغل مكاناً آخر غیر مكانه الحالي. وكما أن لكل ما هو بالقوة حیزاً في المادة، یمكن القول إنه توجد في الجرم الفلكي مادة معینة، أي مادة قابلة للحركة المكانیة؛ وعلی هذا یمكن اعتبار هذه المادة كالواسطة بین الهیولی الأولی للأشیاء التي تحت فلك القمر – التي توجد كلاً بالقوة – وبین الفعلیة المحضة. فالأبعاد الثلاثة التي تمتاز بشكل هندسي واضح ومستقرة في وضع معین، كلها أشیاء في حالة فعلیة محضة، دون أن تختلط بما هو بالقوة. للجرم الفلكي بما فیه من قدرة علی تغییر المكان بدون تغییر الشكل نوع من المادة إلی جانب هذه الفعلیة المحضة. فالقوة أیضاً لها درجات كالمادة. وللأجرام الفلكیة فوقها محرك أیضاً لایوجد فیه أي شيء بالقوة، ولاشيء فیها یمكن أن یسمی مادة.

والآن لابد أن نری كیف درس ابن رشد الصورة المحركة للأجرام السماویة؟ توجد في داخل كل محرك تحت فلك القمر صورة غیركاملة؛ فالجسم إذا كان متحركاً فإنما لتكتسب هذه الصورة كمالاً أكبر. فالكمال الذي في الجسم المتحرك بالقوة مطلقاً، یصبح بالفعل في الهدف الذي یتحرك نحوه؛ ولهذا تحصل هنا صورتان، إحداهما العلة الفاعلیة لحركة الجسم، والأخری العلة الغائیة. ولكن الأمر لیس ذلك في الأجرام الفلكیة، فصورة هذه الأجرام لاتحصل من حدوث المادة التي تشكلها بالفعل، إذ أنها لیست مستعدة لأن تصیر بالفعل وتكتسب الكمال نسبیاً؛ إذن لم‌ یعد بالإمكان أن یوجد تمایز بین الصورة الناقصة المحركة للجسم وبین الصورة الكاملة التي تستهدفها الحركة، فعلة الحركة الفاعلیة هنا نفس العلة الغائیة، والصورة التي تحركها واحدة مع الصورة التي تتحرك بها. والحركات تحت فلك القمر تنتهي في اللحظة التي تصل فیها العلة الناقصة إلی الكمال الذي تسیر نحوه، أي في اللحظة التي تصل الحركة إلی هدفها. ولایمكن تصور الحركة الأبدیة في جسم معرض للكون والفساد لأن العلة المحركة فیه لیست واحدة مع العلة الغائیة؛ أما الأجرام السماویة فیمكن أن تتحرك حركة أبدیة [لأن العلة المحركة فیها هي نفس العلة الغائیة]. ومن ناحیة أخری فإن محرك أي جرم فلكي هو قوة متناهیة القدرة والشدة، ولذلك فإن هذه القوة تحرك ذلك الجرم الذي هو جسم متناه بسرعة متناهیة، وعلی هذا فإن هذا المحرك غیر متناه من حیث المدة، لا من حیث القدرة. وعدم تناهیه عبارة عن إیجاد حركة أبدیة (دوئم، IV/547-548، نقلاً عن «حدیث في جوهر…»، الفصل 3). ولابد لهذا المحرك المتناهي في ذاته أن یصل رغم هذا إلی غیر المتناهي ذاك. ومن الواضح أنه لایمكنه الوصول إلی ذلك اللامتناهي إلا بشوق أو نزوع إلی موجود أفضل منه. وهذا الموجود الذي هو «المحرك الأول غیر المتحرك» [عبارة أرسطیة لـ «الله»] لایمكن أن یكون جسماً ولا قوة في جسم، هذا الموجود هو عقل مفارق لكل مادة ولكل جسم؛ ومحرك الجرم الفلكي یشتاق إلیه من خلال معرفة ذلك العقل المتعالي، ومن هذا الشوق الأبدي تحصل أیدیة الحركة. وبسبب هذا الشوق واشتراك الاسم مع الموجودات الحیة التي تحت فلك القمر أیضاً یمكن أن یطلق علی هذه الصورة اسم النفس التي تثیر الشوق في كل جرم فلكي وتحرك الجرم الفلكي بهذا الشوق، ولكن یجب أن لایلتبس علینا معنی هذه التسمیة ونتصور أن «نفوس الأجرام السماویة صور في المواد، أي صور في الهیولی الأولی وتكتسب أیدیتها من الصور غیر الهیولانیة الأخری. ویترتب علی هذا أن كل ما لیس له طبیعة خاصة لأن یصبح بذاته خالداً، یكتسب أبدیته من موجود آخر. وهذا أمر غیر ممكن إطلاقاً. فالطبیعة التي فیها استعداد الكون والفساد لایمكن أن تكتسب الأبدیة من غیرها. وهذه النقطة واضحة لكل من ینظر إلی أسس فلسفة أرسطو، والاعتقاد بخلافها خطأ یقع فیه غیر المتمرسین في الفلسفة». وبذلك تتبین معارضة ابن رشد لابن سینا والمدرسة الأفلاطونیة الحدیثة الإسلامیة. ومن جهة أخری تبقی نقطة من قول ابن رشد غامضة وهي هل یری أن لكل من الأجرام السماویة عقلاً منفصلاً، أم یری عقلاً واحداً لكل الأجرام السماویة؟ والظاهر في كتابه هذا أنه یعبر دائماً عن علة تمنح الأبدیة إلی حركة السماء بصیغة الإفراد: عقل مثیر، محرِّك غیر متحرك وعار تماماً عن الهیولی، إلا أن أرسطو من جهة أخری یتحدث بهذا الشكل في الكتاب الثامن من الطبیعة وفي أغلب فصول كتابه «في السماء» وفي كتابه ما بعد الطبیعة. وبصورة عامة فإن نص «حدیث في جوهر الجرم الفلكي» لايبین هل لكل جرم فلكي عقل، أو أن السماء كلها تقع تحت محرّك واحد غیر متحرك؟ (للاطلاع علی ذلك، ظ: دوئم، IV/534-551).

الصفحة 1 من7

تسجیل الدخول في موقع الویب

احفظني في ذاکرتك

مستخدم جدید؟ تسجیل في الموقع

هل نسيت کلمة السر؟ إعادة کلمة السر

تم إرسال رمز التحقق إلى رقم هاتفك المحمول

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.:

التسجیل

عضویت در خبرنامه.

هل تم تسجیلک سابقاً؟ الدخول

enterverifycode

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.: