الصفحة الرئیسیة / المقالات / دائرة المعارف الإسلامیة الکبری / القانون / ابن رشد، أبوالولید محمد /

فهرس الموضوعات

ابن رشد، أبوالولید محمد

ابن رشد، أبوالولید محمد

تاریخ آخر التحدیث : 1442/11/13 ۰۹:۱۹:۱۵ تاریخ تألیف المقالة

ولكن لیست عقیدة ابن رشد الحقیقیة أن للكون كله محركاً واحداً غیر متحرك فحسب. فهو یبحث حول هذه المسألة في تفسیر ما بعد الطبیعة ویقول في أحد المواضع «لیس یُلفی للجرم السماوي من هذه القوی إلا القوة في المكان فقط… فإن كانت القوة التي یتحرك بها هذه الحركة السرمدیة فیه فلاتخلو أن تكون متناهیة أو غیر متناهیة، فإن كانت فیه غیر متناهیة لزم أن تكون حركته في الأن، وإن كانت متناهیة أمكن أن یسكن. لكن قد تبین أنه لایسكن، فلیس یتحرك بقوة فیه، فهو یتحرك بقوة لافي موضوع أصلاً. لكن قد یسأل سائل فیقول: إن كان یتحرك عن قوة فعلها غیر متناه فقد یجب ضرورة أن یكون تحریكها إیاه في غیر زمان كما ألزمتم إذا كانت فیه، والجواب في ذلك أن یقال له إن هذه الحركة قد تبین من أمرها أنها مؤلفة من محركین: محرك متناهي التحریك وهي النفس التي فیه، ومحرك غیر متناهي التحریك وهي القوة التي لیست في مادة» (3/1629-1630). ثم یضیف ابن رشد في موضع آخر قائلاً: «وأما قوی محركة في أجسام أزلیة، وهذه یمكن فیها أن تحرك دائماً وأن لاتحرك دائما، أما كونها غیر محركة دائماً فإذا فرضنا الذي إلیه تتحرك وهو المحرك الأول یحلقه التغیر بأي نوع اتفق من أنواع التغیر، وأما كونها متحركة دائماً فإذا كان الذي إلیه تتحرك غیر متغیر بنوع من أنواع التغیر وهذا هو أن لایكون جسماً أصلاً؛ فإن كان هاهنا متحرك أزلي فواجب أن یتحرك بقوة فیه عن محرك لایلحقه نوع من أنواع التغیر، وما هو بهذه الصفة فلیس هو ذو هیولى باضطرار، فهذا هو معنی قول أرسطو: إن كل فعل غیر متناه فإنه یصدر عن قوة غیر متناهیة، أي غیر متناهیة الفعل، لا عن قوة متناهیة، أي متناهیة الفعل» (ن.م، 3/1637-1638). وهكذا یكمل ابن رشد ما تركه غامضاً غیر تام في «حدیث في جوهر الجرم الفلكي». ونحن نجد تتمة هذا البحث في موضع آخر من تفسیر ما بعد الطبیعة، حیث یقول: «إن كل متحرك له محرك أزلي لایتحرك بذاته، وكان لكل حركة سرمدیة محرك سرمدي لایتحرك بذاته، وهو واحد، وذلك أنه یجب أن یكون للحركة الواحدة محرك واحد، وإلا لم‌تكن متصلة ولا واحدة؛ ولكنا نری في السماء حركات كثیرة غیر الحركة التي لكل السماء التي نقول إنها یحركها الجوهر الأول الذي هو غیر متحرك، وهي حركات «الكواكب المتحیرة» وقد بینا من أمر هذه الحركات أنها سرمدیة لأنها أجزاء من جسم سرمدي لا وقوف له ولا انتهاء لحركته علی ما تبین في العلم الطبیعي من أمره [وهنا یشیر ابن رشد إلی البرهان علی عدم بدایة العالم ونهایته كما أورده أرسطو في الكتاب I، الفصل 10 من «في السماء»]. فمضطر أن یكون لكل واحد من هذه الحركات محرك لایتحرك بذاته ویكن جوهره سرمدي» (3/1644-1645).

ویقول ابن رشد في موضع آخر معتمداً علی أساس الاستدلالات الأرسطیة «لمّا بیّن أنه یوجد هاهنا جوهر واحد أزلي في غیر مادة أصلاً، شرع یطلب هل هذا الجوهر الموجود هو واحد أم كثیر؟ وإن كان كثیراً فكم عدده؟» (ن.م، 3/1641). ونحن نجد عقیدة ابن رشد حول ذلك في تتمة تفسیره لأقوال أرسطو حیث یقول: «فبین أنه مضطر أن تكون الجواهر [المحركة] علی عدد تلك [الحركات] للعلة التي قیلت وأن تكون هذه العلل سرمدیة بالطبع وأن تكون غیر متحركة بذاتها وأن تكون غیر ذوات أجسام للعلل التي قیلت» (ن.م، 3/1645). ویبدو واضحاً تماماً من هذه الأقوال أن عدد المحركات غیر المتحركة، أي العقول المجردة من الهیولی عند ابن رشد هي كما عند أرسطو بعدد الأجرام السماویة. وینتقد ابن رشد بمثل هذا التناسق آراء شخصیات مثل الفارابي وابن سینا والغزالي ویدحضها. ولملاحظات ابن رشد هذه التي تدل علی موقفه الأرسطي الأصیل أهمیة كبیرة ویجدر أن نورد آراءه هنا حیث یقول في موضع «وأما ما قاله المتأخرون [أي الفارابي وابن سینا] من أن هاهنا جوهراً أول هو أقدم من محرك الكل فهو قول باطل، وذلك أن كل جوهر من هذه الجواهر فهو مبدأ للجواهر المحسوس علی أنه محرك الكل فهو قول باطل، وذلك أن كل جوهر من هذه الجواهر فهو مبدأ للجوهر المحسوس علی أنه محرك وعلی أنه غایة، ولذلك ما یقول أرسطو إنه لو كانت هاهنا جواهر لاتحرك لكان فعلها باطلاً، وأما الذي حركهم إلی هذا الظن فهو قیاس یقف علی فساده من ارتاض أدنی ارتیاض في هذا العلم، وذلك أنهم قالوا یظهر من أمر هذه العقول أن بعضها لازم لبعض علی جهة مایلزم المعلول عن العلة والمسبب عن السبب. والجوهر الأول یجب أن یكون واحداً في الغایة وبسیطاً في الغایة والواحد والبسیط لایصدر عنه أو لایلزم عنه إلا واحد، ومحرك السماء الأول لزم عنه نفس السماء الأول، ومحرك الفلك الذي یلیه فواجب أن یكون غیر بسیط فله علة هي أقدم منه، وهذا القول هو موهم وذلك أنه لیس هنالك صدور ولا لزوم ولا فعل حتی نقول إن الفعل الواحد یلزم أن یكون عن فاعل واحد، وإنما هنالك علة ومعلول علی جهة ما نقول إن المعقول هو علة العاقل وإذا كان ذلك كذلك، فلیس یمتنع فیما هو بذاته عقل ومعقول أن یكون علة لموجودات شتی من جهة مایعقل منه أنحاء شتی، وذلك إذا كانت تلك العقول تتصور منه أنحاء مختلفة من التصور، فما یتصور إذاً من المحرك الأول محرك جرم السماء، وهو العلة في نفس السماء غیر ما یتصور منه محرك فلك زحل مثلاً، وكذلك الأمر في واحد واحد منها، أعني أن كل واحد منها كماله هو في تصور علته التي تخصه وتصور العلة الأولی، وبهذا صارت حركاتها كلها تؤم شیئاً واحداً وهو النظام الموجود للكل» (ن.م، 3/1648-1649).

ویصور ابن رشد في نهایة هذا البحث النظام العام للعالم بهذا الشكل «إن الحال في تعاون الأجرام السماویة في تخلیق ما هاهنا من الموجودات وحفظها كالحال في ذوي السیاسات الفاضلة الذین یتعاونون علی سیاسة مدنیة فاضلة واحدة بأن یقتدوا في أفعالهم بما یفعله الرئیس الأول، أعني أنهم یجعلون أفعالهم تابعة وخادمة لفعل الرئیس الأول؛ فكما أن الرئیس الأول في المدن لابد له من فعل خاص به، وهو أشرف الأفعال وإلا كان عطلاً وباطلاً، وهذا الفعل هو الذي یؤمه بأفعاله كل من دون الرئیس الأول، فإنه كما أنه لابد في هذه الرئاسات من رئاسة أولی، كذلك لابد في أفعال الرؤساء من فعل أول؛ وكذلك یعرض الأمر في الصنائع التي تتعاون نحو مصنوع واحد وهي التي بعضها مرتئسة علی بعض وترتقي كله إلی صناعة واحدة مثل كثیر من الصنائع الخادمة لصناعة الفروسیة؛ فعلی هذا ینبغي أن یفهم الحال في هذه الأجسام (السماویة) مع صورها المعقولة التي تحركها» (ن.م، 3/1650-1651).

ومن الجدیر أن نذكر في هذه الحالة انتقاد ابن رشد لنظریة «الفیض» و«الصدور» التي تقوم علی أساس الأفلاطونیة الحدیثة وأوردها عدد من الفلاسفة في مباحث علم الوجود وعلم الكون عندهم كالفارابي وابن سینا، فحاسة ابن رشد الأرسطیة– المشائیة تبدي حساسیة مقابل العناصر غیر الأرسطیة. یقول في هذا الخصوص أثناء صراعه مع الغزالي: «وأما ما حكاه (الغزالي) عن الفلاسفة في ترتیب فیضان المبادئ المفارقة عنه وفي عدد ما یفیض عن مبدأ من تلك المبادئ فشيء لایقوم برهان علی تحصیل ذلك وتحدیده، ولذلك لایلفی التحدید الذي ذكره (الغزالي) في كتب القدماء. وأما كون جمیع المبادئ المفارقة وغیر المفارقة فائضة عن المبدأ الأول، وأن بفیضان هذه القوة الواحدة صار العالم بأسره واحداً وبها ارتبطت جمیع أجزائه حتی صار الكل یؤم فعلاً واحداً كالحال في بدن الحیوان الواحد المختلف القوی والأعضاء والأفعال فإنه إنما صار عند العلماء واحداً وموجوداً بقوة واحدة فیه فاضت عن الأول فأمر أجمعوا علیه؛ لأن السماء عندهم بأسرها هي بمنزله حیوان واحد، والحركة الیومیة التي لجمیعها هي كالحركة الكلیة في المكان للحیوان، والحركات التي لأجزاء السماء هي كالحركات الجزئیة التي لأعضاء الحیوان، وقد قام عندهم البرهان علی أن في الحیوان قوة واحدة بها صار واحداً، وبها صارت جمیع القوی التي فیه تؤم فعلاً واحداً وهو سلامة الحیوان، وهذه القوی مرتبطة بالقوة الفائضة عن المبدأ الأول، ولولا ذلك لافترقت أجزاؤه ولم یبق طرفة عین؛ فإن كان واجباً أن یكون في الحیوان الواحد قوة واحدة روحانیة ساریة في جمیع أجزائه بها صارت الكثرة الموجودة فیه من القوی والأجسام واحدة حتی قیل في الأجسام الموجودة فیه إنها جسم واحد، وقیل في القوی الموجودة فیه إنها قوة واحدة، وكانت نسبة أجزاء الموجودات من العالم كله نسبة أجزاء الحیوان الواحد من الحیوان الواحد، فباضطرار أن یكون حالها في أجزائه الحیوانیة وفي قواها المحركة النفسانیة والعقلیة (ذلك الحیوان الواحد، یعني العالم) هذه الحال، أعني أن فیها قوة واحدة روحانیة بها ارتبطت جمیع القوي الروحانیة والجسمانیة وهي ساریة في الكل سریاناً واحداً، ولولا ذلك لما كان هاهنا نظام وترتیب؛ وعلی هذا یصح القول إن الله خالق كل شيء وممسكه وحافظه، كما قال سبحانه «إن الله یمسك السماوات والأرض أن تزولا» (فاطر/ 35/41). ولیس یلزم من سریان القوة الواحدة في أشیاء كثیرة أن یكون في تلك القوة كثرة، كما ظن من قال إن المبدأ الواحد إنما فاض عنه أولاً واحد، ثم فاض من ذلك الواحد كثرة، فإن هذا إنما یظن به أنه لازم إذا شبه الفاعل الذي في غیر هیولی بالفاعل الذي في الهیولی، ولذلك إن قیل اسم الفاعل علی الذي في غیر الهیولی، والذي في الهیولی فباشتراك الاسم، فهذا یبین لك جواز صدور الكثرة عن الواحد. وأیضاً فإن وجود سائر المبادئ المفارقة إنما هو فیما یتصور منه، ولیس یمتنع أن یكون هو شیئاً واحداً بعینه یتصور منه أشیاء كثیرة تصورات مختلفة، كما أنه لیس یمتنع أن نتصور تصوراً واحداً… وتبین عندهم (الفلاسفة) أن الذي یعطي الغایة في الموجودات المفارقة للمادة (الهیولی) هو الذي یعطي الوجود، لأن الصورة (عندهم) والغایة هي واحدة في هذا النوع من الموجودات، فالذي یعطي الغایة في هذه الموجودات هو الذي یعطي الصورة، والذي یعطي الصورة هو الفاعل، ولذلك یظهر أن المبدأ الأول هو مبدأ لجمیع ههذ المبادئ فإنه فاعل وصورة وغایة، وأما حاله من الموجودات المحسوسة، فلما كان هو الذي یعطیها الوحدانیة وكانت الوحدنیة التي فیها هي سبب وجود الكثرة التي تربطها تلك الوحدانیة صار مبدأ لهذه كلها علی أنه فاعل وصورة وغایة؛ وصارت جمیع الموجودات تطلب غایتها بالحركة نحوه، وهي الحركة التي تطلب بها غایاتها التي من أجلها خلقت، وذلك إما لجمیع الموجودات فبالطبع، وإما للإنسان فبالإرادة، ولذلك كان (الإنسان) مكلفاً من بین سائر الموجودات ومؤتمناً من بینها وهو معنی قوله سبحانه: «إنا عرضنا الأمانة علی السماوات والأرض والجبال…» (الأحزاب/33/\72). وإنما عرض للقوم (الفلاسفة) أن یقولوا إن هذه الرئاسات التي في العالم، وإن كانت كلها صادرة عن المبدأ الأول، إن بعضها صدر عنه بلاواسطة وبعضها صدر منه بواسطة عند السلوك والترقي من العالم الأسفل إلی العالم الأعلی، وذلك أنهم وجدوا أجزاء الفلك بعضها من أجل حركات بعض فنسبوها إلی الأول فالأول حتی وصلوا إلی الأول بإطلاق، فلاح لهم نظام آخر وفعل اشتركت فیه جمیع الموجودات اشتراكاً واحداً. والوقوف علی الترتیب الذي أدركه النظار في الموجودات عند الترقي إلی معرفة الأول عسیر، والذي تدركه العقول الإنسانیة منه إنما هو مجمل، لكن الذي حرك القوم (الفلاسفة) أن اعتقدوا أنها مرتبة عن المبدأ الأول بحسب ترتیب أفلاكها في الموضع، هم أنهم رأوا أن الفلك الأعلی فیما یظهر من أمره أنه أشرف مما تحته، وأن سائر الأفلاك تابعة له في حركته، فاعتقدوا لمكان هذا ما حكي عنهم من الترتیب بحسب المكان. ولقائل أن یقول لعل الترتیب الذي في هذه إنما هو من أجل الفعل لامن أجل الترتیب في المكان، وذلك أنه لما كان یظهر أن أفعال هذه الكواكب، أعني السیارة، حركاتها من أجل حركة الشمس، فلعل المحركین لها إنما یقتدون في تحریكاتهم بحركة الشمس، وتحرك الشمس عن الأول، فلذلك لیس یلفي هذا المطلب مقدمات یقینیة، بل من جهة الأَولی والأخلق» (تهافت، 229-234).

وبذلك یردّ ابن رشد نظریة صدور العقول التي أوردها الفارابي وابن سینا. وعلی ذلك لم ‌یكن عجیباً أن ینتقد بشدة نظریة «الواحد لایصدر عنه إلا واحد» ویردّها، فهو في معارضته للغزالي یقول: «هذا القول لو قالت به الفلاسفة للزمهم أن یعتقدوا أن في المعلول الأول كثرة لا نهایة لها. وقد كان یلزمهم ضرورة أن یقال لهم: من أین جاءت في المعلول الأول كثرة، وكما یقولون إن الواحد لایصدر عنه كثیر، كذلك یلزمهم أن الكثیر لایصدر عن الواحد، فقولكم إن الواحد لایصدر عنه إلا واحد یناقض قولكم إن الذي صدر عن الواحد الأول شيء فیه كثرة لأنه یلزم أن یصدر عن الواحد واحد، إلا أن یقولوا إن الكثرة التي في المعلول الأول، كل واحد منها أول، فلیزمهم أن تكون الأوائل كثیرة. والعجب كل العجب كیف خفي هذا علی أبي نصر (الفارابي) وابن سینا لأنهما أول من قال هذه الخرافات فقلدهما الناس، ونسبوا هذا القول إلی الفلاسفة، لأنهم إذا قالوا إن الكثرة التي في المبدأ الثاني إنما هي مما یعقل من ذاته، وما یعقل من غیره، لزم عندهم أن تكون ذاته ذات طبیعتین، أعني صورتین، فأي – لیت شعري – هي الصادرة عن المبدأ الأول وأي هي الغیر الصادرة؟ وكذلك یلزمهم إذا قالوا فیه إنه ممكن من ذاته واجب من غیره لأن الطبیعة الممكنة یلزم ضرورة أن تكون غیر الطبیعة الواجبة التي استفادها من واجب الوجود، فإن الطبیعة الممكنة لیس یمكن أن تعود واجبة إلا لو أمكن أن تنقلب طبیعة الممكن ضروریة، ولذلك لیس في الطبائع الضروریة إمكان أصلاً، كانت ضروریة بذاتها أو بغیرها. وهذه كلها خرافات وأقاویل أضعف من أقاویل المتكلمین. وهي كلها أمور دخیلة في الفلسفة لیست جاریة علی أصولهم، وكلها أقاویل لیست تبلغ مرتبة الإقناع الخطبي فضلاً عن الجدلي، ولذلك یحق ما یقول أبو حامد (الغزالي) في غیر ما موضع من كتبه إن علومهم (علوم ما بعد الطبیعة عند الفارابي وابن سینا) إلالهیة هي ظنیة» (ن.م، 245-246).

والان یمكن السؤال ما هي عقیدة ابن رشد حول علة الكثرة في عالم الوجود؟ ویجیب عن هذا السؤال في موضع آخر من هذا الكتاب یقوله: «إن فرق الفلاسفة كانوا یجیبون في ذلك بواحد من ثلاثة أجوبة: أحدها قول من قال: إن الكثرة إنما جاءت من قبل الهیولی، والثاني قول من قال: إنما جاءت من قبل الآلات، والثالث قول من قال: من قبل الوسائط، وحكي عن آل أرسطو أنهم صححوا القول الذي یجعل السبب في ذلك التوسط. قلتُ: إن هذا لایمكن الجواب فیه في هذا الكتاب (یعني تهافت التهافت) بجواب برهاني، ولكن لسنا نجد لأرسطو، ولا لمن شهر من قدماء المشائین هذا القول الذي نسب إلیهم إلا لفرفوریوس الصوري صاحب مدخل علم المنطق، والرجل لم‌یكن من حذاقهم. والذي یجري عندي علی أصولهم أن سبب الكثرة هو مجموع الثلاثة الأسباب، أعني المتوسطات والاستعدادات والآلات، وهذه كلها قد بینا كیف تستند إلی الواحد وترجع إلیه، إذ كان وجود كل واحد منها بوحدة محضة هي سبب الكثرة. وذلك أنه یشبه أن یكون السبب في كثرة العقول المفارقة اختلاف طبائعها القابلة فیما تعقل من المبدأ الأول وفیما تستفید منه من الوحدانیة الذي هو فعل واحد في نفسه كثیر بكثرة القوابل له، كالحال في الرئیس الذي تحت یده رئاسات كثیرة، والصناعة التي تحتها صنائع كثیرة، وهذا یفحص عنه في غیر هذا الموضع، فإن تبین شيء منه وإلا رُجع إلی الوحي» (ن.م، 259-260).

 

العقل والإیمان، ‌الدین والفلسفة

من نتاجات ابن رشد المهمة سعیه لبیان التناسق بین النظرة العالمیة الدینیة الفلسفیة، وبعبارة أخری إعادة الوئام بین العقل والإیمان، وكما یقول لیون غوتیه في هذا المجال: إن ابن رشد لایهدف من نظریته إلی شيء أقل من إیجاد وفاق دائم في الإسلام بین ‌الدین (الدین ولیس الكلام) وبین الفلسفة من جهة، وبین الفرق السیاسیة الدینیة من جهة أخری، كي لاتجد هذه الفرق بعده ومن خلال الالتزام بهذه النظریة فرصة التكوّن (ص 21). وهذا الأمر یثبته نص لابن رشد، فهو في أول كتاب مناهج الأدلة یقول: «فقد رأیت أن أفحص في هذا الكتاب عن الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور علیها، وأتحری في ذلك كله مقصد الشارع بحسب الجهد والاستطاعة؛ فإن الناس قد اضطربوا في هذا المعنی كل الاضطراب في هذه الشریعة، حتی حدثت فرق ضالة وأصناف مختلفة، كل واحد منهم یری أنه علی الشریعة الأولی، وأن من خالفه إما مبتدع، وإما كافر مستباح الدم والمال، وهذا كله عدول عن مقصد الشارع؛ وسببه ما عرض لهم من الظلال عن فهم مقصد الشریعة» (ص 133). ولذلك فقد ألف ابن رشد كتابین هما: فصل المقال وتقریر ما بین الحكمة والشریعة من الاتصال؛ و(الكشف عن) مناهج الأدلة في عقائد الملة لإزالة الصراعات المصطنعة بین النظرة العالمیة الفلسفیة والدینیة التي أعلنها المتكلمون قبل غیرهم ثم أجّح الغزالي أُوارها. كما تحدث ابن رشد إلی جانب هذین الكتابین عن الصلة بین العقل والإیمان والدین والفلسفة في مواضع من كتابه تهافت التهافت في ردوده علی الغزالي.

الصفحة 1 من7

تسجیل الدخول في موقع الویب

احفظني في ذاکرتك

مستخدم جدید؟ تسجیل في الموقع

هل نسيت کلمة السر؟ إعادة کلمة السر

تم إرسال رمز التحقق إلى رقم هاتفك المحمول

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.:

التسجیل

عضویت در خبرنامه.

هل تم تسجیلک سابقاً؟ الدخول

enterverifycode

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.: