الصفحة الرئیسیة / المقالات / دائرة المعارف الإسلامیة الکبری / القانون / ابن رشد، أبوالولید محمد /

فهرس الموضوعات

ابن رشد، أبوالولید محمد

ابن رشد، أبوالولید محمد

تاریخ آخر التحدیث : 1442/11/13 ۰۹:۱۹:۱۵ تاریخ تألیف المقالة

نظریة العقل وأنواعه: لمسألة العقل وأنواعه من وجهة النظر الأرسطیة والمشائیة في التفكیر الفلسفي عند ابن رشد منزلة خاصة، ثم یجب أن لایغیب عن البال أن موضوع العقل في كتب أرسطو لم‌ یبحث بشكل واضح وعمیق. فهو یورد مسألة العقل وأنواعه في كتابه «في النفس» باختصار، وحتی یمكن القول: بإیجاز مخل، ثم تركه بعد تفسیر ناقص. ویشیر إلیه في كتبه الأخری بشكل عابر، لذلك نجد بین الشراح والمفسرین لكتبه بعده في داخل المدرسة المشائیة وخارجها نتائج إدراكات مختلفة لعقیدته ونظریته الحقیقیة حول العقل، كما أن أبرز شراح آثار أرسطو ومنها كتابه «في النفس» بحثوا جمیعاً آراءه حول العقل ضمن البحث عن علم النفس منذ قدیم الأزمان وحتی القرنین 5 و6م. وأشهر هؤلاء ثیوفراستس (373-288ق.م) والإسكندر الأفرودیسي (نهایة القرن 2 ومطلع القرن 3م) و ثامسطیوس (317-318م) ونیكولائوس الدمشقي (4 ق.م – بعد 64م). فلكل منهم رأي وتفسیر خاص لمجمل ما أورده أرسطو عن العقل (ولاسیما في الفصل 5، الكتاب الثالث «في النفس») وغالباً ما یتعارض بعضه مع بعض.

وفي بدء ازدهار النهضة الثقافیة الإسلامیة، ترجمت بعض كتب المفسرین والشراح المذكورین إلی العربیة، اعتبرت فیما بعد مصدر آراء الفلاسفة المسلمین عن العقل ومرجعهم إلی جانب كتب أرسطو. فالكندي والفارابي وابن سینا وابن باجة وأخیراً ابن رشد، أفادوا جمیعاً في بحوثهم حول علم النفس من تلك الترجمات واستلهموا منها، وكان لابن رشد في عمله میزة خاصة هي سعیه للوفاء علی قدر الإمكان لأصالة التفكیر الأرسطي كما یفهمه. وقد أورد ابن رشد آراءه حول العقل وأقسامه في عدة كتب أولاً في شرحین علی كتاب «في النفس» لأرسطو: تلخیص كتاب النفس و«التفسیر الكبیر» علی كتاب أرسطو هذا. وقد حفظ النص العربي للتلخیص وطبع، أما نص «التفسیر الكبیر» العربي فقد فُقد كما ذكرنا ولم یبق منه سوی الترجمة اللاتینیة وقد طبعت منذ القرن 15م ومابعده أكثر من مرة في أوروبا، ونشر كما ذكر آخر نص نقدي ومحقق له في 1953م.

ولدینا إلی جانب هذین الشرحین ثلاثة كتب أخری لابن رشد أورد فیها آراء حول العقل، أحدهما فُقد أصله العربي وتوجد ترجمته اللاتینیة باسم «في سعادة النفس»، والثاني رسالة فُقد نصها العربي أیضاً. وتوجد ترجمتها اللاتینیة باسم «رسالة عن اتصال العقل المجرد بالإنسان»، ثم رسالة باسمها العربي مقالة هل یتصل بالعقل الهیولاني العقل الفعّال وهو ملتَبس بالجسم؟ وفي الترجمة اللاتینیة وردت باسمین: «مقالة ابن رشد كیف یتصل العقل الهیولاني بالعقل المجرد» و«رسالة في العقل». ولكن یصرح في النص العربي من هذه الرسالة التي لم‌ تفقد ونشرت أنها من تألیف نجل ابن رشد المدعو بأبي محمد عبد الله؛ ویقول هو نفسه إنه حررها امتثالاً لأمر أبیه وهي تقریراته عن هذا الموضوع (ظ: ابن رشد، تلخیص كتاب النفس، الملحق 2، ص 119-120). ونحن نعلم أن لابن رشد ولداً بهذا الاسم برع في الطب واشتهر وله تصانیف في هذه الصناعة (ابن أبي أصیبعة، 3(1)/127). ومن كتب ابن رشد ما دوّن في أوقات مختلفة وسنین متفاوتة من حیاته، فكان یورد في كل مرة آراء مختلفة عن العقل، ثم یصل بعد مدة إلی نتائج أخری إثر زیادة التعمق في كتب أرسطو وإعادة النظر في آرائه وقد أورد آخر دراساته وأكمل نتائجه في «تفسیره الكبیر» علی كتاب «في النفس» لأرسطو، وهو یقول عن ذلك في تلخیص كتاب النفس، وفي آخر حدیثه عن العقل المادي (الهیولاني): هذا الذي ذكرته في العقل الهیولاني هو شيءكان ظهرلي قبل، ولما تعقبت الفحص عن أقاویل أرسطو، ظهر لي أن العقل الهیولاني لایمكن أن یكون الجوهر القابل للقوة التي فیه شيء بالفعل أصلاً، أعني صورة من الصور، لأنه لو كان ذلك كذلك لما قبل جمیع الصور. أما المعاني الخیالیة فهي التي نسبتها من العقل الهیولاني نسبة المحسوس من الحس، أعني المبصر من البصر، لانسبة العین من البصر، أعني الموضوع كما تقدم من قولنا في هذا المكتوب. وإنما هو أول من قاله أبو بكر ابن الصائغ فغلطنا، وهذا كله قد بینته في شرحي لكتاب أرسطو في النفس. فمن أحب أن یقف علی حقیقة رأیي في هذه المسألة فعلیه بذلك الكتاب» (ص 90).

وعلی هذا، لابد لنا كما یقول ابن رشد نفسه أن نبحث عن خلاصة بحوثه وآرائه عن العقل في شرحه المذكور. ونجد من خلال ذلك دراسة ابن رشد المسهبة عن العقل وأنواعه في تفسیره لكتاب أرسطو الثالث «في النفس» ولاسیما في شرحه للفصل الخامس من الكتاب. یبدأ ابن رشد حدیثه بالعقل الهیولاني ویقول علی أساس النظریة الأرسطیة في تعریفه «الجوهر الذي یسمی العقل الهیولاني لیس جسماً ولاصورة في الجسم، وبناء علی هذا فهو لایمتزج بالمادة إطلاقاً» («التفسیر الكبیر»، 386).

ومن ناحیة أخری یقول ابن رشد في تعریف آخر للعقل الهیولاني «العقل الهیولاني هو بالقوة كل معاني الصور الهیولانیة الكلیة، وبالفعل لیس شیئاً قبل تعقلها وإدراكها» (ن.م، 387) وتبعاً لهذا التعریف فإن العقل الهیولاني مثل المادة الأولی (الهیولى الأولی) من جهة، ویختلف عنها من جهة أخری. وهذا الاختلاف في أن العقل الهیولاني هو بالقوة كل معاني الصور المادیة الكلیة، بینما المادة الأولی تضم بالقوة كل الصور المحسوسة. واتصال هذه الصور بالعقل الهیولاني لایؤدي إلی ظهور أفراد جسمانیة حقیقیة، بل یكون سبباً لظهور معان أو مفاهیم مدركة ومعلومة. أما الصور الجوهریة أو العرضیة التي تضمنها المادة الأولی، فهي صور جزئیة أو فردیة ومحسوسة توجد في اتصالها بالمادة الأولی أشیاء جسمانیة یختلف بعضها عن بعض (ن.م، 388-387). وهنا یقول ابن رشد «إذن هذا الذي دفع أرسطو إلی جعل هذه الطبیعة [یعني العقل الهیولاني]، والتي هي غیر طبیعة المادة، وغیر طبیعة الصورة وغیر الطبیعة المركبة منهما» (ن.م، 388). والان یمكن طرح هذا السؤال، ما هو هذا النوع الجدید من الموجود؟ ویجیب ابن رشد «والمسألة الثالثة، أي كیف یمكن أن یوجد العقل الهیولاني الذي لا هو الصورة المادیة ولا المادة الأولی [غیرمركب من المادة والصورة]؟ فیمكن حلها بالشكل التالي: یجب التصدیق بأن هذا جنس رابع من الموجود. فكما أن الموجود المحسوس ینقسم إلی صورة ومادة، كذلك الموجود المعقول یجب أن یقسم إلی شیئین یشبهان ذینك الإثنین، أي بشيء یشبه الصورة وشيء یشبه المادة. هذا الأمر ضروري في جمیع العقول المجردة التي تدرك شیئاً آخر (غیر نفسها)، وإلا لما وجدت كثرة في الصور المجردة. وقد تبین في الفلسفة الأولی أنه لاتوجد صورة بسیطة وخالیة من القوة إطلاقاً ما عدا الصورة الأولی، التي لاتفكر بأي شيء خارج عن نفسها لأن هویتها (وجودها) ماهیتها؛ وجمیع الصور الأخری تنقسم بشكل ما إلی ماهیة وهویة» (ن.م، 410-409).

ومن جهة أخری نشاهد عند ابن رشد تقسیماً ثلاثیاً للعقل، كما یقول «یجب القبول بأن في النفس ثلاثة أنواع من العقل، أحدها العقل القابل والثاني العقل الفعّال أو الفاعل والثالث العقل الحادث [تأثیر العقل الفاعل علی العقل القابل]. واثنان من هذه الثلاثة أبدیة، أي العقل الفاعل أو الفعال والعقل القابل وثالثها كائن بنحو ما وفاسد، وبنحو أخر أبدي» (ن.م، 406).

وسنتحدث فیما بعد عن مسألة فناء أو عدم فناء هذه العقول وأبدیتها من وجهة نظر ابن رشد. والآن لابد من الإشارة إلی وظیفة العقل الفعال (أو الفاعل) كما هو في نظریات ابن رشد. وكما یقول لیون غوتیه «إن مسألة العقل الفعال وفعله تجاه عقل الإنسان المنفعل، وغیرها من المسائل المتعلقة بذلك من أهم مسائل الفلسفة الیونانیة– الإسلامیة)» (ص 236). ثم إن وجود العقل الفعال إلی جانب العقل الهیولاني ضروري، ذلك أنه یعتقد تبعاً لنظریة أرسطو «أن الدلیل الذي یدفعنا لجعل العقل الفعال- الذي هو غیر العقل الهیولاني والأشیاء التي یدركها العقل الهیولاني – هو نفس الدلیل الذي بسببه یحتاج البصر فیه إلی النور. فكما أن البصر لایتحرك بالألوان، ما لم‌تكن موجودة بالفعل، ولاتكتمل الألوان إلا بحضور المضيء – لأن المضيء یؤدي إلی أن تتبدل من القوة إلی الفعل – كذلك المعاني أو الصور الخیالیة، فهي تثیر العقل الهیولاني ما لم‌ تصبح المعقولات أو المفاهیم بالفعل، ولایحدث هذا الكمال ما لم ‌یكن شيء موجوداً، هو العقل بالفعل؛ ولذلك لابد أن ننسب هذین العملین كلیهما إلی النفس التي فینا، یعني المعقول وصنعه؛ والذي یضم هذا الفاعل والقابل، جواهر أبدیة؛ ولهذا السبب فإن مثل هذین العملین خاضعان لإراداتنا، یعني تجرید أو انتزاع المعاني وإدراكها، والتجرید أو الانتزاع لیس سوی صنع المعاني أو المفاهیم المعقولة بالفعل بعد أن كانت بالقوة. والتعقل أو الإدراك لیس سوی تلقي تلك المعاني أو المفاهیم؛ إذن نری أن هذا الشيء [في هذا المجال] ینتقل في وجوده من مرتبة إلی مرتبة أخری، أي من حالة المفهوم أو المعنی الخیالي إلی الشكل المفهوم المعقول، وعلی هذا نقول: یلزم في هذا المجال وجود علة فاعلة وقابلة. فالقابل (العقل) هیولاني، والعلة الفاعلة (العقل) فعالة. ونجد أیضاً أننا نستطیع أن نعمل ما نشاؤه بهاتین القوتین العقلیتین؛ ولایوجد عمل إلا بواسطة الصورة (المعقولة) الخاصة به؛ وعلی هذا لابد أن ننسب هاتین القوتین العقلیتین إلی أنفسنا. والعقل الذي ینتزع المعقول أو المفهوم ویوجده، لابد أن یكون فینا مقدماً علی العقل الذي یستقبله» («التفسیر الكبیر»، 440-439).

ثم یتوسع ابن رشد في بحثه في كیفیة الاتصال بین العقل الهیولاني والعقل الفعال ویستنتج أن «الرابطة بین العقل الفعال والعقل الهیولاني هي الرابطة بین المضيء والجسم الشفاف وأن الرابطة بین الصور الهیولانیة وبین ذلك العقل (الهیولاني) هي الرابطة بین الألوان وبین الجسم الشفاف، فكما أن المضيء هو كمال الجسم الشفاف فإن العقل الفعال هو كمال العقل الهیولاني، وكما أن الجسم الشفاف لایكون متحركاً باللون ولایقبل ذلك اللون ما لم یتضح فكذك هذا العقل (الهیولاني) لایتلقی المعقولات، إلا بالمقدار الذي تكتمل فیه وتتضح بواسطة العقل الفعال. وكما أن المضيء یصبح سبباً لأن یصیر اللون الذي بالقوة لوناً بالفعل ویصیر كذلك سبباً لحركة الجسم الشفاف فإن العقل الفعال أیضاً یجعل المعاني أو المفاهیم التي هي بالقوة، بالفعل بحیث یتلقاها العقل الهیولاني، إذن فالرابطة بین العقل الهیولاني والعقل الفعال هي كذلك» (ن.م، 411-410). وعلی هذا فالفعل الهیولاني في نظر ابن رشد والعقل الفعال لازم وملزوم، إلی حد أنه یمكن اعتباره نفسه من جهة ولیس نفسه من جهة أخری. یقول في بیان هذه النظریة «وبصورة عامة كلما أخذت الرابطة بین العقل الهیولاني والعقل الفعال بنظر الاعتبار، یظهر أنهما شیئان من ناحیة، وشيء واحد من ناحیة أخری. فهما شیئان باختلاف أعمالهما: فعمل العقل الفعال هو التكوین أو الإحداث، وعمل العقل الهیولاني هو التلقي والاستقبال للصورة؛ ولكنهما شيء واحد أیضاً، ذلك أن العقل الهیولاني یكتمل بواسطة العقل الفعال ویدركه» (ن.م، 451-450). والمسألة المهمة الأخری التي تشكل جانباً واسعاً من بحوث ابن رشد حول العقل هي كیفیة الاتصال بین العقل الهیولاني في الإنسان بالعقل الفعال. یقول ابن رشد في هذا المضمار «حین یتصل العقل الهیولاني بالعقل الفعال ویكمل بذلك، نتصل عندئذ بالعقل الفعال أیضاً، وتسمی هذه الحالة الاكتساب، أو العقل المكتسب» (ن.م، 411).

والنوع الآخر من العقل الذي یشغل حیزاً خاصاً ومهماً في علم النفس عند ابن رشد هو العقل النظري، حیث یواجه في دراسته له بعض الصعوبات؛ فمفاهیم العقل النظري لدی أفراد الناس الذین یدركونها تظهر وتفنی بموتهم وتختلف لدی كل واحد منهم. وهنا یتساءل ابن رشد: «كیف تكون المعقولات النظریة كائنة وفاسدة، والعقل الفاعل لها والعقل القابل لها أبدیان؟» (ن.م، 400-399). وجواب ابن رشد عن هذا السؤال: لنتخذ صورة محسوسة كاللون مثلاً، فهذه الصورة موجودة في موضوعین في نفس الوقت، خارج النفس ومتحدة مع مادة الجسم الشفاف، وفي النفس أیضاً، أي في الحس الذي یحسها؛ ولعلة وجودها في هذا الموضوع، أي الإنسان الذي یحسها، فإن تلك الصورة المحسوسة إحدی الأشیاء الموجودة في هذا العالم. ومن جهة أخری فالصورة المحسوسة للون موجودة بنفس الوقت في جسم خارج النفس؛ وعلی هذا فهي حقیقیة (یعني واقعیة). والمعاني الكلیة كذلك، فكل منها یوجد في موضوعین في نفس الوقت، أحدهما موضوع حقیقي، والآخر موضوع هو حقیقة خارجیة تشكل أحد الأشیاء في هذا العالم، فموضوع المعاني الحقیقیة لا وجود له خارج النفس، بل في النفس، أي في القوة المتخیلة. وعلی هذا تكون الصورة الواحدة في موضوعین في نفس الوقت: في القوة المتخیلة التي تصیر حقیقیة بواسطتها، وفي العقل الهیولاني، الذي تكتسب وجودها بواسطته، وتصیر إحدی الموجودات في العالم، یعني «العقل النظري». ثم إن تلك الصورة المعقولة الفریدة لیس لها مكان في الموضوعین بشكل واحد، وإنما تقبل في كل منهما بشكل یتناسب مع طبیعة ذلك الموضوع، ففي القوة المتخیلة لها وجود بشكل شبح ینطبق مع الشيء، وفي العقل الهیولاني تقبل بشكل معنی مجرد وكلي (قا: ن.م، 400). وبذلك تحل صعوبات المسألة بنظر ابن رشد، حیث یقول في موضع آخر «الشيء المعقول الذي عندي والذي عندك یتكثر حسب الموضوع [أي الفرد أو الأفراد] الذي یكون ذلك الشيء حقیقیاً عنده، أي كالصور الموجودة في المتخیلة، ولكنه واحد في الموضوع الذي یكون العقل بواسطته موجوداً واقعیاً، وهذا (الموضوع) هو العقل الهیولاني» (ن.م 412).

ولابد من القول في إیضاح كلام ابن رشد هذا: إذا كان العقل النظري متكثراً بنحوما حسب أفراد الأناسي وكائناً وفاسداً أیضاً، فلأن العقل الفعال لایستطیع في اتصاله بالعقل الهیولاني أن یصنع المعاني أو المفاهیم الموجودة في هذا العقل بالفعل، ما لم ‌تصنع القوة المتخیلة عند إنسان صوراً توجد فیها تلك المعاني بالقوة تحت تصرف العقل الهیولاني ولو بشكل آخر. فلو افترضنا أنه في وقت ما لایوجد أحد ینتزع من إحدی الصور المتخیلة مثل ذلك المعنی، عندئذ لن یستطیع العقل الفعال أن یوجب للعقل الهیولاني قبول هذا المعنی أو المفهوم، وهذا یعني أنه إن أتی زمن لایوجد فیه أي إنسان، فإن العقل الفعال لن یستطیع في ذلك الزمن بشكل من الأشكال أن یتصل بالعقل الهیولاني، وأن یكوّن العقل النظري عن هذا الطریق، لذلك لن یكون للعقل النظري وجود في ذلك الزمن. ولهذا من اللازم أن یكون في العالم دائماً إنسان واحد علی الأقل تكون لدیه معان أو مفاهیم كلیة مجردة. إذن فأبدیة أو بقاء العقل النظري یستلزم ویقتضي أبدیة النوع الإنساني، وعلی هذا الأساس یقول ابن رشد: «فنحن نعتقد بأن العقل الهیولاني واحد في جمیع الأناسي، وعلی هذا نری أن النوع الإنساني أبدي، وكما ورد في موضع آخر، من اللازم أن لایخلو العقل الهیولاني، من المبادئ الطبیعیة والمشتركة بین جمیع نوع الإنسان، أي من القضایا والمفاهیم الأولیة الجزئیة المشتركة بین جمیع الأناسي… ولذا إذا ما فسد معقول من المعقولات الأولیة في فرد إنسان معین بفساد موضوعه (یعني ذلك الإنسان) والذي یتصل بواسطته بنا وحقیقي، فمن اللازم أن لایكون ذلك المعقول فاسداً بشكل مطلق، بل هو فاسد من حیث فرد معین. وعلی هذا نستطیع القول إن العقل النظري واحد في جمیع الأناسي [أي من حیث نوع الإنسان الأبدي ولیس من حیث أفراد الإنسان القابلین للفساد]. فیمكن القول بحق إنها أبدیة من حیث أن هذه المعقولات موجودات مطلقة – ولیس من حیث نسبتها إلی فرد معین– ولیس لأنها تعقل تارة ولاتعقل تارة أخری، بل تعقل دائماً [یعني بواسطة النوع الإنساني الذي هو أبدي]» (ن.م، 407-406).

لقد أثارت آراء وأقوال ابن رشد عن العقل في العصور الوسطی مناقشات كثیرة، منها نظریة نسبت إلیه أطلقوا علیها اسم نظریة «وحدة العقل». فالمتكلمون والفلاسفة المسیحیون وأبرزهم ألبرتس الكبیر (تـ 1280م) وتوما الأكویني (1225-1274م)، هبوا لمواجهة هذه النظریة، فخص توما أحد أهم كتبه المسمی «في وحدة العقل ضد ابن رشد» بمهاجمة هذه النظریة، حیث یقول عنها: «من الممكن أن لایوجد سوی عقل مشترك واحد عند الجمیع (الأناسي)». ولكننا في الحقیقة لانجد مثل هذه النظریة عند ابن رشد الذي یصرح في معرض حدیثه عن العقل الهیولاني بقوله: «والمسألة الأخری كیف یكون العقل الهیولاني في جمیع أفراد الإنسان، واحداً في العدد غیركائن ولا فاسد، وإلی أن المعقولات الموجودة بالفعل فیه (أي ما هو عقل نظري) متعددة بتعدد أفراد الإنسان وتتكوّن وتفسد بتكوّن الأفراد وفسادهم؟ هذه مسألة صعبة جداً وبغایة التعقید» (ن.م، 402-401).

وأخیراً یشیر ابن رشد ثانیة في تفسیره الكبیر لكتاب مابعد الطبیعة لأرسطو إلی دراساته عن العقل، ویورد خلاصة عن نظریاته وآرائه في هذا الخصوص. فبعد أن یذكر هناك أقوال الإسكندر الأفرودیسي حول العقل الهیولاني والعقل المكتسب أو المستفاد، وینقل قوله إن العقل المكتسب أو المستفاد هو الذي یبقی بعد الموت فقط، وإن العقل بالملكة والعقل الهیولاني یفسدان كلاهما، یقول: «وهذا لیس هو مذهب ثافرَسطُس ولا غیره من قدماء المشائین ولا مذهب ثامسطیوس، بل أكثر المفسرین كانوا یرون أن العقل الهیولاني باق [أي هو أبدي بعد موت فرد الإنسان] وأن العقل الفعال المفارق هو كالصورة في العقل الهیولاني، شبه المركب من المادة والصورة، وأنه الذي یخلق المعقولات من جهة ویقبلها من جهة، أعني أنه یفعلها من جهة ما هو صورة ویقبلها من جهة العقل الهیولاني». ثم یضیف ابن رشد: «ونحن قد فحصنا عن المذهبین في [تفسیر] كتاب النفس (لأرسطو) وبیّنا أن العقل الفعال هو كالصورة في العقل الهیولاني وأنه یفعل المعقولات ویقبلها من جهة العقل الهیولاني، وأن العقل الهیولاني كائن فاسد. وبیّنا هنالك أن هذا هو مذهب الحكیم (یعني أرسطو)، وأن العقل الذي بالملكة فیه جزء كائن وجزء فاسد، وأن الفاسد هو فعله، وأما هو في ذاته فلیس بفاسد وأنه داخل علینا من خارج وذلك أنه لو كان متكوناً لكان حدوثه تابعاً لتغیر كما تبین في مقالات هذا العلم [مابعد الطبیعة] التي في الجوهر، حیث بُیّن أنه لو كان یحدث شيء من غیر تغیر لحدث شيء من لا شيء؛ ولذلك، العقل الذي بالقوة هو لهذا العقل [بالملكة] كالمكان لا كالهیولی، ولو كان فعل هذا العقل من حیث یتصل بالعقل الهیولاني غیر كائن لكان فعله جوهره [أي فاعل بالذات]، ولم‌یكن في هذا الفعل مضطراً إلی اتصاله بالعقل الهیولاني، لكن لما اتصل بالعقل الهیولاني كان فعله من جهة ما یتصل (العقل الفعال) به غیر جوهره، وكان مایفعله هو جوهر، هو لغیره لا لذاته، ولذلك أمكن أن یكون شيء أزلي یعقل ما هو كائن فاسد، فإن كان هذا العقل یتعری عند بلوغ الكمال الإنساني عن القوة، فقد یجب أن یبطل منه هذا الفعل الذي هو غیره. فأما أن نكون في تلك الحال غیر عاقلین أصلاً بهذا العقل أو نكون به عاقلین من حیث فعله جوهره؛ ومحال أن نكون في وقت من الأوقات غیر عاقلین به، فقد بقي أن نكون إذا برئ هذا العقل من القوة عاقلین به من حیث فعله جوهره وهي السعادة القصوی» (تفسیر، 3/1489-1490).

الصفحة 1 من7

تسجیل الدخول في موقع الویب

احفظني في ذاکرتك

مستخدم جدید؟ تسجیل في الموقع

هل نسيت کلمة السر؟ إعادة کلمة السر

تم إرسال رمز التحقق إلى رقم هاتفك المحمول

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.:

التسجیل

عضویت در خبرنامه.

هل تم تسجیلک سابقاً؟ الدخول

enterverifycode

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.: