ابن رشد، أبوالولید محمد
cgietitle
1442/11/13 ۰۹:۱۹:۱۵
https://cgie.org.ir/ar/article/233462
1446/10/6 ۲۲:۱۷:۴۹
نشرت
3
58. بدایة المجتهد ونهایة المقتصد، في الفقه، طبع هذا الكتاب أكثر من مرة: فاس 1327 والقاهرة 1329 و1335 وإستانبول 1333هـ، وفي مجلدین، بیروت، 1982م؛ 59. اختصار المستصفی (خلاصة المستصفی للغزالي في أصول الفقه)، نصه مفقود ولكن ورد اسمه في عدة مصادر منها فهرست إسكوریال؛ 60. المسائل الطبوّلیة، ورد في فهرست إسكوریال (عن جمیع العناوین السابقة، ظ: ESC1, I/446, 450, 465, 466)؛ 61. مختصر المجسطي، أصله العربي مفقود، توجد مخطوطات ترجمته العبریة في كثیر من المكتبات، ولم یترجم إلی اللاتینیة (ظ: رینان، 75)؛ 62. ما یحتاج إلیه من كتاب أقلیدس في المجسطي، ورد في فهرست إسكوریال؛ 63. مقالة في حركة الفلك (في عیون الأنباء)، وكلام له علی حركة الجرم السماوي، في فهرست إسكوریال. ویری ووستنفلد (ص 107) أنه نفس مقالة في جوهر الفلك (ظ: الرقم 36).
64. الضروري في النحو، كلام له علی الكلمة والاسم المشتق، ورد في فهرست إسكوریال.
65. تلخیص كتاب الحُمیات لجالینوس (شرح متوسط علی كتاب جالینوس «في الحمیات»)، مخطوطة في إسكوریال، رقم 879؛ 66. تلخیص العلل والأعراض (شرح متوسط علی الكتاب السابع لجالینوس)، مخطوطة في إسكوریال، رقم 879؛ 67. تلخیص الأعضاء الآلمة (شرح متوسط علی «الأعضاء الآلمة» لجالینوس)؛ 68. تلخیص القوی الطبیعیة (شرح متوسط علی كتاب لجالینوس بهذا الاسم)، ورد في فهرست إسكوریال؛ 69. تلخیص المزاج لجالینوس، ورد في فهرست إسكوریال وعیون الأنباء؛ 70. تلخیص الأسطُقسّات لجالینوس (شرح متوسط لكتاب جالینوس: «في العناصر علی رأي أبقراط») ورد في فهرست إسكوریال وعیون الأنباء؛ 71. تلخیص الخمس مقالات الأولی من كتاب الأدویة المفردة لجالینوس (شرح متوسط علی «الأدویة المفردة» لجالینوس)، ورد في فهرست إسكوریال وعیون الأنباء. نشرت مجموعة هذه الكتب باسم «تلخیصات إلی جالینوس»، بتحقیق دلاكونثبثیون باثكث دي بنیتو بمدرید في 1984م؛ 72. رسائل ابن رشد الطبیة، طبع بتحقیق جورج القنواتي وسعید الزائد وإعداد إبراهیم مدكور بالقاهرة (1978م)؛ 73. شرح أرجوزة ابن سینا في الطب (شرح متوسط علی أرجوزة في الطب لابن سینا)، ورد في فهرست إسكوریال، منه مخطوطات في باریس وأكسفورد ولیدن وتشستربیتي (رقم 3993) وأیضاً في مكتبة كمبریدج، رقم 1012، Or (الترجمة اللاتینیة في نفس المجموعة، ج IX، الأوراق 246-178). یقول رینان إن هذا الكتاب من أشهر آثار ابن رشد (ص 77)؛ 74. كتاب الكلیات (عن كلیات الطب)، یقول رینان: «هذا الكتاب دورة كاملة في الطب في سبعة كتب» (ص 76)؛ مخطوطاته العربیة في المكتبة الوطنیة بمدرید، رقم 5013 ومكتبة ساكرومونته في غرناطة، رقم 1؛ ونشرت طبعة مصورة لهذه المخطوطة بتطوان في 1943م (ترجمته اللاتینیة في نفس المجموعة، ج IX، الأوراق 141-7، الكتاب الثاني والسادس والسابع في الأوراق 175-144)؛ 75. مقالة في التریاق، منها مخطوطة في إسكوریال رقم 879؛ 76. مقالة في المزاج، مخطوطتها في الرقم السابق بإسكوریال؛ 77. مقالة في المزج المعتدل، ورد اسمها في فهرست إسكوریال؛ 78. مقالة في البزور والزرع، وردت في نفس الفهرست (ترجمتها اللاتینیة في نفس المجموعة، ج XI، الأوراق 220-218)؛ 79. مراجعات ومباحث بین أبي بكر ابن طفیل وبین ابن رشد في رسمه للدواء في كتابه الموسوم بالكلیات، ورد في فهرست إسكوریال؛ 80. مسألة في نوائب الحمّی (ابن أبي أصیبعة، 3(1)/126)؛ 81. مقالة في حمیات العفن (ن.ص).
وعن تاریخ آثار ابن رشد، حاول رینان أولاً تحدید تواریخ وأماكن تألیفها بالاعتماد علی هوامش ابن رشد في بعض كتبه التي حفظت في الترجمات العبریة واللاتینیة (ظ: رینان، 67). ثم سعی ألونسو ثانیة فقام بهذا العمل في كتابه «إلهیات ابن رشد، الدراسات والوثائق» (ص 98-51؛ أیضاً ظ: بدوي، II/743-761).
لابد من أن نذكر قبل كل شيء أن ابن رشد هو الوحید بین الفلاسفة المسلمین الكبار الذي أغرم بأرسطو وفلسفته وأعجب بهما، وقد عبر عن هذا الإعجاب أكثر من مرة في شروحه وتفاسیره لآثار أرسطو؛ یقول في موضع: شكراً لله الذي جعل هذا الرجل [أرسطو] في الكمال الممتاز بین الآخرین، وفي أفضل منزلة من العظمة الإنسانیة التي لمیبلغها إنسان في أي فترة، وإلیه یشیر الله في هذه الآیة «ذلك فضل الله یؤتیه من یشاء….» (المائدة، 5/54) (رینان، 55، نقلاً عن ابن رشد).
ویقول عنه في موضع آخر: «أعتقد في الحقیقة بأن هذا الرجل قاعدة في الطبیعة ونموذج أتت به الطبیعة لیدل علی الكمال الإنساني النهائي في الأمور المادیة» («التفسیر الكبیر»، 433). وأخیراً یقول: «إنه [أرسطو] الذي كمل عنده الحق» (تفسیر، 1/10). وعلی هذا یمكن أن یعتبر ابن رشد أو في أتباع أرسطو وأوعاهم بین الفلاسفة المسلمین، ویمكن أن ندرك من مدائحه هذه السبب الذي دعاه إلی وقف أخصب سني شبابه وشیخوخته علی شرح كتب أرسطو وتفسیرها. ولابد من أن هذا الوفاء كان أهم دافع لمخالفة ابن رشد ومواجهته لبعض آراء عدد من الفلاسفة كالفارابي وابن سینا. ومن هنا ینبع موقفه الصلب أحیاناً تجاه المتكلمین ولاسیما الغزالي. وهنا یتبادر هذا السؤال: هل یتحتم البحث عن عقائد وآراء ابن رشد الأساس في طیات تفاسیره وشروحه علی آثار أرسطو، أو في كتبه المستقلة؟ فابن رشد كأي فیلسوف ومفكر كبیر آخر كوّن عقائده وآراءه خلال حیاته كلها. ومر في ذلك بمراحل، وأعاد النظر في المسائل وأكمل نظریاته وغیّر بعضها وحتی إنّه أهمل أثناء كهولته أو هرمه بعض النظریات التي كان یأخذ بها في شبابه. وعلی هذا یصح القول إنه یجب البحث عن الوجه الفلسفي الحقیقي لابن رشد في تفاسیره وشروحه علی كتب أرسطو، وفي كتبه المستقلة أیضاً. ولاشك في وجود صعوبات في ذلك. وهي أن النصوص العربیة لأكثر كتب ابن رشد المهمة مفقودة، ولیس لدینا سوی ترجماتها العبریة أو اللاتینیة ولم یترجم منها إلی اللغات الأوربیة الحیة سوی عدد قلیل وأكثرها طبع في القرون الأخیرة ضمن مجموعة آثار أرسطو باللاتینیة. فإذا ما أراد أحد أن یقوم بهذا الواجب الصعب وأن یبحث عن آراء وعقائد ابن رشد بین هذه المجموعة من آثاره، فلربما یجد هناك فرقاً من بعض الجهات بین صورة ابن رشد اللاتینیة وصورة ابن رشد في كتبه المستقلة التي لاتزال نصوصها العربیة موجودة، ثم لابد من أن یتناول معیار الحكم آراء ابن رشد وعقائده في مراحل نضجه وكهولته، ثم آثاره في هرمه وشیخوخته.
أشرنا إلی أن ابن رشد كان یسعی دائماً إلی أن یبقی وفیاً للفلسفة الأرسطیة الأصیلة كما كان یفهمها. كما نعلم من ناحیة أخری أن الفلسفة الأرسطیة امتزجت بعناصر مهمة من الفلسفة الأفلاطونیة الحدیثة في میدان الفكر الإسلامي، حتی إن ابن رشد لم یستطع ودون قصد منه الابتعاد عن تأثیر عناصر الأفلاطونیة الحدیثة هذه في تفكیره الفلسفي. ومع ذلك فقد یحدث أن یواجه في بعض الحالات نظریة من الأفلاطونیة الحدیثة في الأصل ولكنها في الظاهر أرسطیة – أي كما توجد في الآثار المنحولة والمنسوبة إلی أرسطو في ترجماتها العربیة – فإما أن بغض النظر عنها، ویشك في أصالتها بما یمتاز به من حس مشائي قوي، أو یسعی لتغییرها وقفاً للمعاییر الأرسطیة الخالصة ویستخرج منها العناصر الأرسطیة الأصیلة. ابن رشد یواجه في مثل هذا التوجه الأصولي اثنین من أبرز الوجوه في مجال الفلسفة التقلیدیة، أي الفارابي وابن سینا اللذین تزخر آراؤهما الفلسفیة كما نعلم بعناصر من الفلسفة الأفلاطونیة الحدیثة، أي من عناصر غریبة تماماً عن الرؤیة الأرسطیة الأصیلة. ومن ناحیة أخری، فقبل عدة عقود من ولادة ابن رشد، سعی كاتب ومفكر كبیر كالغزالي إلی إحلال الرؤیة الدینیة والإیمانیة الأصیلة من خلال تفنید الرؤیة الفلسفیة حسب وجهة نظره وتصوره، وقد أدی هذه المهمة في عدد من آثاره ولاسیما في كتابه تهافت الفلاسفة، حیث كان قد اختار للقیام بهذا التفنید وجهین من أبرز الوجوه الفلسفیة الإسلامیة حتی ذلك الوقت، أي الفارابي وابن سینا، وها هو ابن رشد المغرم بالحقیقة وللكشف عنها – حسب ما ورد في اعترافاته الصریحة والمتكررة – تلك الحقیقة التي تتجلی في قالب التفكیر الفلسفي وطریقته یری نفسه مضطراً لتفنید آراء الغزالي وكتابه. یقول الغزالي عن هدفه الأساس من كتابه «نحن لم نخض في هذا الكتاب خوض الممهدین بل خوض الهادمین المعترضین ولذلك سمینا الكتاب تهافت الفلاسفة لاتمهید الحق» (ص 179-180).
ویقدم ابن رشد في كتابه تهافت التهافت حججاً دامغة في مواجهة اعتراضات الغزالي علی الفلاسفة، حیث یقول في دفاعه عنهم «فأما الفلاسفة فإنهم طلبوا معرفة الموجودات بعقولهم لامستندین إلی قول من یدعوهم إلی قبول قوله من غیر برهان بل ربما خالفوا الأمور المحسوسة» (تهافت…، 210-211). وكان ابن رشد یسعی خلال ردوده علی اعتراضات الغزالي الموجهة لعقائد الفلاسفة أن یراعي منزلته العلمیة ویحكم علیه بإنصاف خلافاً له في حكمه علیهم. فهو یشیر في موضع إلی نقطة دقیقة عن الغزالي فیقول: «فتعرض أبي حامد إلی مثل هذه الأشیاء هذا النحو من التعرض لایلیق بمثله. فإنه لایخلو من أحد أمرین: إما أنه فهم هذه الأشیاء علی حقائقها فساقها هنا علی غیر حقائقها وذلك من فعل الأشرار، وإما أنه لم یفهمها علی حقیقتها فتعرض إلی القول فیما لم یحط به علماً وذلك من فعل الجهال، والرجل یجل عندنا عن هذین الوصفین، ولكن لابد للجواد من كبوة، فكبوة أبي حامد هي وضعه هذا الكتاب، ولعله اضطر إلی ذل من أجل زمانه ومكانه» (ن.م، 108). ویبین ابن رشد هذه النقطة في موضع آخر بقوله «ومقام أبي حامد أكبر من هذا ولكن ربما دفعه أهل زمانه لتألیف هذا الكتاب لیبعد عن نفسه الظن بأنه علی عقیدة الفلاسفة» (ن.م، 159-160). وحكم ابن رشد هذا یسوق إلی معنی عمیق جداً، ولكنه یصدر أخیراً حكمه النهائي علی كتاب الغزالي فیقول بصراحة ومرارة «ولذلك كان أحق الأسماء بهذا الكتاب كتاب التهافت المطلق أو تهافت أبي حامد لاتهافت الفلاسفة» (ن.م، 146). والغزالي یكفّر الفلاسفة ویعدد أسباب ذلك بقوله: تكفیرهم لابد منه في ثلاث مسائل أحدها مسألة قدم العالم وإنكارهم إحاطة الله علماً بالجزئیات وإنكارهم بعث الأجساد وحشرها. أما في المسائل الأخری فهم یشاركون المعتزلة والفرق الإسلامیة الأخری في أكثرها، ولایتفق المسلمون جمیعاً في تكفیر أهل البدع (ص 376). ویختم ابن رشد كتابه أیضاً بهذه الجمل «كفّر الغزالي الفلاسفة بثلاث مسائل: 1. قولهم بقدم العالم، والذي یعنون بهذا الاسم لیس هو المعنی الذي كفّرهم به المتكلمون، ولایعنون بالقدیم أنه شيء لاسبب له، بل إن ذلك الشيء لیس قدیماً في زمان وجوده؛ 2. وفي إنكارهم علم الله بالجزئیات قلنا إن هذا القول لیس من قولهم؛ 3. إنكارهم المعاد الجسماني ومسألته عندهم من المسائل النظریة، والغزالي نفسه تردد في غیر هذا الكتاب في التكفیر بالإجماع وهذا كله كما تری تخلیط، ولاشك في أن هذا الرجل أخطأ علی الشریعة كما أخطأ علی الحكمة» (تهافت، 587؛ للاطلاع علی اعتراضات الغزالي وأجوبة ابن رشد عن المسائل المذكورة، ظ: ن.م، 4-40، 344-365، 455-463، 529-531، 558-559، 562-563، 569-575). ونشاهد نفس هذا الحكم علی الغزالي مرة أخری في موضع آخر «فخطأ [الغزالي] علی الشرع وعلی الحكمة وإن كان إنما قصد خیراً. وتطرق بذلك قوم إلی ثلب الحكمة وقوم إلی ثلب الشریعة وقوم إلی الجمع بینهماف ویشه أن یكون هذا أحد مقاصده بكتبه، والدلیل أنه رام بذلك تنبیه الفِطَر أنه لم یلزم مذهباً من المذاهب في كتبه بل هو مع الأشعریة أشعري ومع الصوفیة صوفي ومع الفلاسفة فیلسوف» (فصل…، 27-28).
یمكن أن تعتبر نظریة المعرفة ولاسیما علم النفس ونظریة العقل عند ابن رشد من أهم معطیات تفكیره الفلسفي. حیث كانت في القرون الوسطی وبعدها في أوروبا سبباً لاتخاذ المواقف وحدوث والنزاعات وكذلك الإدلاء بتعریفات مختلفة ومتضادة علی الأغلب، ولابد من القول قبل كل شيء في هذا الشأن إن ابن رشد عالم أرسطي وفيّ یسعی قدر الإمكان لاتباع مبادئ الفیلسوف الیوناني. فمبادئ نظریة المعرفة عند ابن رشد أرسطیة تماماً. فهناك مقابل الإحساس والإدراك الإنساني عالم الواقع الخارجي، الذي یثیرهما ویؤثر علیهما. فإن أرسطو كان یقول: یمكن مشاهدة الكثیر من أفراد الأشیاء أو الأشیاء الجزئیة بالإدراك الحسي، أو دراسة وقوع أمر مكرر للوصول منه بمعونة الفكر المجرد أو التعقل إلی ماهیة كلیة أو أصل كلي ذلك «أن حضور شيء محسوس، ضروري، ومثل ذلك حول معرفة المحسوسات. ولهذا فإن المحسوسات أفراد أشیاء مستقلة وفي الخارج» (ظ: أرسطو، «في النفس»، الكتاب II، الفصل 5، 417b). وهذه عقیدة ابن رشد أیضاً فالعقل أو التفكیر أولاً وقبل الإحساس أو الإدراك الحسي یفقد أي نوع من الصور المحسوسة ثم یأخذها ویجمعها بالحواس، وعندئذ یجرد معانیها، ویجعلها بشكل صور معقولة أو مفاهیم للعقل، یقول ابن رشد في إحدی تلخیصاته بعد إیراد قول أرسطو «من یفقد حساً من الحواس یفقد علماً من العلوم»: «إن جمیع ما یعلمه الإنسان لیس یخلو من أن یكون علمه به: إما بالاستقراء وإما بالبرهان، فأما البرهان فإنه یكون من المقدمات الكلیة. وأما الاستقراء فإنما یكون من الأمور الجزئیة، والمقدمات الكلیة لاطریق لها إلی العلم بها إلا بالاستقراء، وذلك أن المقدمة الكلیة المأخوذة في الذهن، مجردة من المواد، إذا رام الإنسان أن یبین صدقها فإنما یبین صدقها بالاستقراء: إما بأن یبینها بیاناً مطلقاً إذا كانت مما شأنها أن تؤخذ مجردة من المواد مثل المقدمات التعلیمیة، وإما بأن یقربها نحو مادة ما إذا كانت مما شأنها أن توجد في مادة ما، وكان متی فقدنا حساً ما فلا طریق إلی استقراء محسوسات تلك الحاسة، وإذا لم یكن لنا سبیل إلی الاستقراء لم یكن لنا سبیل إلی العلم بالمقدمات الكلیة التي في ذلك الجنس، فإذن متی فقدنا حساً ما فقدنا علماً ما» (تلخیص منطق…، 2/422). ویورد ابن رشد هنا تعریفاً للبرهان فیقول: «البرهان قیاس یقیني یفید علم الشيء علی ما هو علیه في الوجود بالعلة التي هو بها موجود، إذا كانت تلك العلة من الأمور المعروفة لنا بالطبع» (ن.م، 2/373).
ویری ابن رشد تبعاً لأرسطو أن معرفة الكلیات خیر من معرفة الجزئیات، فإذا كان الكلي معنی واحداً ولم یكن اسماً مشتركاً فلیس معنی وجوده خارج الذهن أقل من وجود الأشخاص لكن یزید زیادة في الوجود. وذلك أنه غیر فاسد ولاكائن، والأشخاص كائنة وفاسدة. وإذا كان الاسم الكلي یدل علی معنی واحد مفرد فیجب أن لایظن به لذلك أنه شيء موجود مفارق للأشخاص (ن.م، 2/435). وعلی هذا فالكلیات في نظر ابن رشد تبعاً لأرسطو لیس لها وجود مستقل خارج الذهن ذلك لأن «الكلي عند أرسطو هو شيء یجمعه الذهن من الجزئیات، أي یأخذ التشابه الذي بینهما ویصیره معنی واحداً كما قیل في كتاب البرهان» (ظ: تفسیر، 3/1417؛ قا: أرسطو، «التحلیلات التثانیة»، الكتاب I، الفصل 81b, 18). ویقول ابن رشد في موضع آخر «إن الأشخاص (أي أفراد الأشیاء) موجودة في الأعیان، والكلیات في الأذهان» و«قول الفلاسفة الكلیات موجودة في الأذهان إنما یریدون أنها موجدة بالفعل في الأذهان ولیس یریدون أنها لیست موجودة أصلاً في الأعیان، بل یریدون أنها موجودة بالقوة غیر مجودة بالفعل» (تهافت، 111، 304).
وبیان ابن رشد الآخر للكلیات قوله: «إنه إذا تؤمل كیف حصول المعقولات لنا، وبخاصة المعقولات التي تلتئم منها المقدمات التجریبیة، ظهر أنا مضطرون في حصولها لنا أن نحس أولاً ثم نتخیل، وحینئذ یمكننا أخذ الكلي، ولذلك من فاتنه حاسة ما من الحواس، فاته معقول ما… ولیس هذا فقط بل یحتاج مع هاتين القوتین إلی قوة الحفظ، وتكرر ذلك الإحساس مرة بعد مرة حتی ینقدح لنا الكلي، ولهذا صارت هذه المعقولات إنما تحصل لنا في الزمان» و«إنما الوجود للكلي من حیث هو كلي بما هو جزئي، كما أن الأب إنما هو أب من حیث له ابن…، وهو من البین أن هذه الكلیات لیس لها وجود خارج النفس (الذهن)، وأن الموجود منها إنما هو أشخاصها فقط» (تلخیص كتاب النفس، 79-81).
والخلاصة فإن ابن رشد یبین حدوث المعرفة عند الإنسان علی أساس الأصول الأرسطیة بقوله: «إن المعاني المدركة صنفان: إما كلي وإما شخصي (أي جزئي)، وإن هذین المعنیین في غایة التباین. وذلك أن الكلي هو إدراك المعنی العام مجرداً من الهیولی (المادة)، والإدراك الشخصي (أي الجزئي والفردي) هو إدراك المعنی في هیولی. وإذا كان ذلك كذلك، فالقوة التي تدرك هذین المعنیین هي ضرورة متباینه». ثم إن «الحس والتخیل إنما یدركان المعاني في هیولی وإن لمیقبلاها قبولاً هیولانیاً» وذلك لأننا لانقدر أن نتخیل المحسوسات مجردة من الهیولی، وإنما ندركها في هیولی وهي الجهة التي بها تشخصت. أما إدراك المعنی الكلي والماهیة بخلاف ذلك، لأننا نجرده من الهیولی… فإن القوة التي من شأنها أن تدرك المعنی مجرداً من الهیولی هي ضرورة قوة أخری. لكن فعل هذه القوة لیس هو أن تدرك المعنی مجرداً من الهیولی فقط، بل وأن تركب بعضها إلی بعض، وتحكم ببعضها علی بعض وذلك أن التركیب هو ضرورة من فعل مدرك البسائط. والفعل الأول من أفعال هذه القوة یسمی تصوراً والثاني تصدیقاً… وتركیب بعض المعاني إلی بعض، یلتئم منها للإنسان صنائع كثیرة ومِهَن، هي نافعة في وجوده فالواجب ما جعلت في الإنسان هذه القوة، أعني قوة النطق… ومن هنا یظهر أن هذه القوة تنقسم أولاً إلی قسمین: أحدهما یسمی العقل العملي والآخر النظري… والعقل العملي مشترك في جمیع الأناسي، لایخلو إنسان منه وإنما یتفاوتون فیها بالأقل والأكثر… أما العقل النظري فیظهر من أمره أنه إلهي جداً، ویوجد في بعض الناس، وهم المقصودون أولاً بالعنایة في هذا النوع من العقل (ن.م، 67-69).
عزيزي المستخدم ، يرجى التسجيل لنشر التعليقات.
مستخدم جدید؟ تسجیل في الموقع
هل نسيت کلمة السر؟ إعادة کلمة السر
تم إرسال رمز التحقق إلى رقم هاتفك المحمول
استبدال الرمز
الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.:
هل تم تسجیلک سابقاً؟ الدخول
الضغط علی زر التسجیل یفسر بأنک تقبل جمیع الضوابط و القوانین المختصة بموقع الویب
enterverifycode