الصفحة الرئیسیة / المقالات / أبوالقاسم الحکیم السمرقندي /

فهرس الموضوعات

أبوالقاسم الحکیم السمرقندي

أبوالقاسم الحکیم السمرقندي

تاریخ آخر التحدیث : 1443/1/10 ۰۰:۱۱:۱۲ تاریخ تألیف المقالة

أَبوالْقاسِمِ الْحَکْیمُ الْسَّمَرقَنديّ، إسحاق بن محمد بن إسماعیل، حکیم و عالم حنفي من ماوراء النهر، عاش في أواخر القرن 3 و النصف الأول من القرن 4هـ.

یعد أبوالقاسم منعطفاً في ظهور المعتقدات والتعالیم الزهدیة للحنفیة من أهل السنة و الجماعة في الشرق، فقد بیّنت رسالته في الاعتقاد التي تحمل عنوان السواد الأعظم ولمدة طویلة معتقدات الکثیر من الحنفیین؛ ومع ذلک فإننا لانعرف عن حیاته سوی سطور قلیلة نقلها السمعاني (4/207-208)، وبضع معلومات متفرقة في المصادر الأخری، إلی درجة أن حمدالله المستوفي عبر عن عدم معرفته لحیاته بشکل کامل في تاریخ گزیده (ص 676-677). وقد استند کتّاب طبقات الحنفیة کلهم، مثل عبدالقادر القرشي (1/139) و الغزي (2/158) واللکنوي (ص 44) في تقریراتهم علی معلومات السمعاني التي یحتمل أن یکون هو قد أخذها من تاریخ سمرقند لأبي العباس المستغفري (تـ432هـ/ 1041م).

ویحتمل أنه ولد وترعرع في سمرقند، وأمضی فترة من شبابه في الدراسة ببلخ، واختار فیها ملازمة أبي بکر الوراق الترمذي، العارف المشهور في تلک المدینة حیث تلقی منه تعالیم الطریقة (ظ: الخواجه عبدالله، 263؛ الجامي، 124؛ اللکنوي، ن.ص). وقد انشغل أیضاً في تلقي العلوم النقلیة و العقلیة المتداولة، وبرع في علوم الکلام و الفقه و التفسیر (ظ: النسفي، 1/360). کان أبوالقاسم یهتم أیضاً بالحدیث والروایة حیث ذکروا من شیوخه في الروایة عبد بن سهل الزاهد (لعله عبدالله بن سهل الرازي، تلمیذ حاتم الأصمّ من مشایخ الصوفیة، تـ 237هـ، علی مااحتمله مادیلونغ، ظ: إیرانیکا)، و عمرو بن عاصم المروزي، ومحمد بن خزیمة القلّاس (فقیه و محدث من بلخ، تـ 314هـ، ظ: عبدالقادر، 2/53؛ أیضاً ظ: السمعاني، 4/208)، حیث کان الأخیر علی الأقل من أقرانه من حیث الطبقة. وقد دار الحدیث في أحد المصادر المتأخرة في معرض الحدیث عن أبي بکر الوراق (غلام طرور، 2/197) عن ابن الجلّاء (ن.ع) و إبراهیم القصار وهما اثنان من مشایخ الصوفیة في الشام باعتبارهما أساتذة أبي القاسم في الطریقة،ولکن لم ترد الإشارة في المصادر الأخری إلی تعلم أبي القاسم منهما، و کذلک إلی سفره إلی بلاد العرب.

اختار أبوالقاسم في النصف الثاني من حیاته العزلة و الهدوء و السکینة في سمرقند، کما خرّج فیها عدداً من التلامیذ. وقد ذکر السمعاني من رواته: أباجعفر محمد بن منیب السمرقندي و عبدالکریم بن محمد الفقیه السمرقندي ومحمد بن عمران بن المشهي (؟) (ن.ص).کما ذکر في مصادر الصوفیة اسم محمد بن نصر الزاهد وأبوعلي محمد ابن الحسن بن حمزة الصوفي الرازي باعتبارهما تلمیذیه في الطریقة، حیث کانا یرویان عنه مباشرة، أو عن طریقه عن أبي بکر الورّاق کلاماً في الحکمة و العرفان (ظ: السلمي، طبقات، 219؛ الخواجه عبدالله، 506).

کان لأبي القاسم الذي کان یعیش في عهد السامانیین (حکـ 261-389هـ/ 875- 999م) علاقات حسنة مع أمرائهم الذین کانوا یدعمونه ویشجعونه في الأنشطة العلمیة. و استناداً إلی ماذکرته المصادر فقد تولی لفترة طویلة قضاء سمرقند، وکان قضاؤه طیلة فترة تولیه له محط ثناء الناس (ظ: المستملي، 237؛ السمعاني، ن.ص). کما طلب الأمیر إسماعیل الساماني من أبي القاسم أن یجمع في کتابٍ العقائد المقبولة لدی أهل السنة والجماعة، وبذلک فقد تم تألیف کتاب السواد الأعظم بتوصیة من علماء أهل السنة و الجماعة الحنفیین الذین دفعوا الأمیر الساماني (حکـ 279-295هـ) إلی أن یحول دون انتشار المذاهب المعفارضة في ماوراء النهر (ظ: مقدمة...، 17-20).

ومع الأخذ بنظر الاعتبار العمر المحتمل لأبي القاسم عند مصاحبته لأبي بکر الرواق (تـ280هـ/ 893م) من جهة، وتمتعه بالتأیید العام عند اختیاره لتألیف السواد الأعظم (ح 290هـ / 903م) من جهة أخری، یبدو أنه ولد في أواسط القرن 3هـ. وإذا أخذنا بقول السمعاني(ن.ص) بأن أباالقاسم توفي في 10 محرم 342، فیمکننا أن نحتمل أن عمره فاق 90، ولکن مما یجدر ذره أن أبا المعین النسفي (ن.ص) ذکر أن وفاته کانت في 335هـ/ 946م. توفي أبوالقاسم في سمرقند و دفن حسب وصیته في مقبرة جاکردیزه الشهیرة، وکان قبره معروفاً لقرون طویلة ویزوره الناس حتی غیر الحنفیین (ظ: السمعاني، ن.ص؛ السمرقندي، 49).

علینا أن نعتبر شخصیة أبي القاسم العلمیة جامعة لمیزتین کان اجتماعهما في علماء عصره أمراء متداولاً. وفقد کان یعرف کحکیم من أهل الطریقة، وکان یعتبر من جهة أخری متکلماً صاحب رأي.

 

مذهبه الکلامي

لانری في المصادر معلومات فیما یتعلق بالأشخاص الذین أخذ علیهم أبوالقاسم علم الکلام، إلا أن مدحه المبالغ فیه لعلم أبي نصر أحمد العیاضي في الکلام (تـ قبل 279هـ/ 892م) وابنه وتلمیذه أبي أحمد نصر العیاضي (ظ: النسفي، 1/257) یوضح إلی حدما نزعته الفکریة. کان أبونصر العیاضي من أبرز علماء سمرقند في النصف الثاني من القرن 3هـ، ویجب اعتباره أهم ناقل لتعالیم السلف إلی جیل أبي القاسم في مذهب أهل السنة و الجماعة الحنفي في ماوراء النهر. وفي جیل تلامذة العیاضي، أو بتعبیر آخر في جیل أبي القاسم، عندما تشکل النظام الکلامي للحنفیة من أهل السنة و الجماعة وتم تدوین التآلیف المفصلة نسبیاً، یمکننا أن نمیّز علی وجه التقریب 3 تیارات مختلفة بین أتباع هذا المذهب. وقد کانت هذه التیابات الثلاثة مشترکة في الکثیر من الأسس العقائدیة العامة، وکان یلاحظ اختلافها في بعض المسائل العقائدیة الخاصة، و خصوصاً في أسلوب التعامل مع المسائل. کانت هذه التیارات الثلاثة عبارة عن: تیار المتکلمین ذوي النزعة العقلیة، وعلی رأسهم أبومنصور الماتریدي (تـ 333هـ/ 945م)؛ والآخر تیار الفقهاء السلفیین، و علی رأسهم أبوالقاسم؛ والآخر هو تیار الصوفیین الحنفیین الذین کانوا یعتبرون العمل داخلاً في تعریف الإیمان، و یلاحظ استرمار حرکتهم في الجیل التالي في کتاب التعرف للکلاباذي.

وفي نفس الوقت الذي اشتهر أبوالقاسم بالکلام و الحکمة، فإنه ربما کان أکثر من أي شيء آخر فقیهاً بارزاً في عصره، ولذلک کان لسنین عدیدة المرجع القضائي الأعلی لأهل سمرقند.وإن طرحه بعض المباحث الفقهیة في طیات المسائل الکلامیة في السواد الأعظم، مثل مسألة المسح علی الخفین و صلاة الوتر وأمثال ذلک (ظ: ص 42، 142، مخـ)، یشیر بحد ذاته إلی حقیقة عدم الإحساس بضرورة فصل المسائل الکلامیة عن المسائل الفقهیة لدی أبي القاسم و العلماء الآخرین الموافقین له في الفکر. هذا في حین أن مثل هذا التمازج لایطالعنا في آثار الماتریدي وأتباع مذهبه. و بالإضافة إلی ذلک فإن نوع الترتیب والتنظیم الکلامیین للمباحث و نوع الاستدلالات والمصطلحات الخاصة التي تلاحظ في آثار الماتریدي و أتباعه، یختلف اختلافاً واضحاً عن أسلوب السواد الأعظم و ما شابهه من آثار. و من جملة المواضع التي یمکن اعتبارها وجه تمایز بین معتقدات تیار أبي القاسم و تیار الماتریدي، مسألة کون الإیمان مخلوقاً، أو غیر مخلوق. و قد رجح الماتریدي في التوحید (ص 385) وفي «العقیدة» (ص 31)، کون الإیمان مخلوقاً، في حین أن أبا القاسم الحکیم اعتبر في السواد الأعظم (ص 45) الإیمان غیرمخلوق، وعد بصراحة مخالفي هذه العقیدة أهل بدعة (للاطلاع علی انعکاسات هذه العقیدة في الآثار الأخری لتیار الفقهاء، مثلاً ظ: أبواللیث السمرقندي، «بستان...» 183؛ قا: الفقه الأکبر (2)، 4). ومن جهة أخری یتضح من خلال مقارنة التعریف الذي قدم للإیمان في التعرّف للکلاباذي (ص 79) والسواد الأعظم لأبي القاسم الحکیم (ص 121، مخـ) کیف واجه أبوالقاسم تیار المتصوفة الحنفیین.

وإذا أردنا أنندرس مکانة أبي القاسم الحکیم داخل تیار الفقهاء السلفیین، فعلینا أن نقارن کل جزء من عقائده التي جاءت في السواد الأعظم مع عدد من الآثار الأخری للفقهاء الحنفیین من أهل السنة والجماعة. و من حیث السب و الخلیفیة فإن لکتاب السواد الأعظم وجوه اشتراک کثیرة مع کتاب الوصیة المنسوب لأبي حنیفة الذي یرجح أنه أُلف في القرن 3هـ/ 9م (ظ: ن.د، أبوحنیفة). کما أن التشابه الملفت للنظر بین السواد الأعظم و کتاب العقیدة لأبي جعفر الطحاوي، فقیه مصر الحنفي (تـ 321هـ/ 933م) في کلٍ من أسلوب تنظیم الموضوعات و المضمون، لابد و أن یکون مصدره الخلفیة المشترکة. وبالإضافة إلی مواضع الاشتراک مع الوصیة، فإن هذین الکتابین یشترکان في الکثیر من المسائل حتی في المسائل الجزئیة، مثل فائدة الدعاء للموتی والحث علی السعي من أجل کسب الرزق، وقد کانت بحوثاً مقطعیة (لمزید الاطلاع، ظ: ن.د، أبوحنیفة). ومن اللفت للانتباه أیضاً أن کلا الکتابین قد نسبا في بدایة کلامهما، العقائد المطروحة إلی شخص أبي حنیفة، واعتبراها مذهب أهل السنة و الجماعة (ظ: أبوالقاسم، 22؛ الطحاوي، 7). ومن خلال مقارنة دقیقة بین الکتابین یلاحظ أن السواد الأعظم یقترب من کتاب الوصیة أکثر من العقیدة، وأن المؤلف لم یتجنب الاستناد إلی العقائد الإرجائیة الحنفیة خلافاً للطحاوي. و علی سبیل المثال فإن أبا القاسم یستند إلی العقیدة القدیمة للإرجاء الحنفي القاضي بأن إیمان العامة یتساوی مع إیمان الأنبیاء و الملائکة (ظ: ص130، نظیر هذا الاستناد في العالم و المتعلم لأبي حنیفة، 57؛ الفقه الأکبر (2)، 5)، في حین أن معاصره المصري تجنب استعمال العبارات الصریحة في هذا المجال (لمقارنة السواد الأعظم مع الفقه الأکبر (2)، ظ: ن.د، أبوحنیفة).

تمت فهرسة عناوین العقائد المبینة في السواد الأعظم، کالتالي: إثبات رؤیة الله و نفي التشبیه في نفس الوقت، وإثبات عدم کون القرآن مخلوقاً، ونفي الجبر و القدر والاعتقاد بأمر بین الأمرین والقاضي بأن الفعل من الإنسان و التوفیق من الله، و إثبات بعض المعتقدات المتعلقة بالآخرة، مثل عذاب القبر، والشفاعة، والحساب والمیزان، وأن الجنة والنار مخلوقتان ولاتقبلان الفناء، وعدم اعتبار العمل داخلاً في تعریف الإیمان وإبات عدم قبول للزیادة والنقصان، وإثبات کرامات الأولیاء، وتفضیل الخلفاء الأربعة بترتیب تولیهم للخلافة، ووجوب طاعة السلطان وعدم تجویز الثورة بالسیف حتی في وجه السلطان الجائر.

إن جانب الجدل ومحاربة مایسیمه أبوالقاسم الحکیم بـ «الهوی» و«البدعة» والذي یطالعنا في أرجاء اسواد الأعظم، هو أسلوب متداول یلاحظ غالباً في المؤلفات العقائدیة للفقهاء السلفیین من أهل السنة والجماعة. و من جملة ذلک یمکننا أن نذکر الرد علی أهل الأهواء لأبي عبدالله ابن أبي حفص الکبیر البخاري (ظ: عبدالقادر، 2/257)، والرد علی أهل البدع و الأهواء لأبي مطیع مکحول النسفي (تـ318هـ) (مخطوطة بادلیان، ظ: GAS, I/602). ومما یجدر ذکره أن أسم کتاب أبي القاسم قد ورد في بعض النسخ بصورة الرد علی أصحاب الأهواء (ظ: ریتر، 41).

وجه أبوالقاسم هجومه العنیف إلی الجماعات المخالفة من المعتزلة والجهمیة والشیعة والکرامیة و الخوارج، ولکن یجب أن لانستبعد هذه الحقیقة و هي أنه انتقد أیضاً في مواضع عدیدة من کتابه معتقدات الحنفیین العدلیین (الطرف المقابل للحنفیین من اهل السنة و الجماعة) ومعتقدات علماء أصحاب الحدیث (السلفیون من غیر الحنفیین والمخالفین للإرجاء) والذین کانوا یُعتبرون أهم منافسین لمذهبه،دون أن یذکر أسماءهم صراحة.

ومما یجد الاهتمام به أن فهرساً قدم في الترجمة الفارسیة القدیمة للسواد الأعظم (ص 143-152) عن العلماء و رجال الدین باعتبارهم السلف الصالح، وقد أکمل فيفترة أکثر تأخراً من تاریخ التألیف، بل و ربما متأخرة أکثر من تاریخ الترجمة. ولم یذکر قط في هذا الفهرس – وکما کان متوقعاً – اسماً لکبار رجال المذهب العدلي الحنفي، مثل أبي مطیع البلخي و أبي مقاتل السمرقندي و بشر المریسي و ابن الثلجي. وحتی فیما یتعلق برجال القرن 4هـ/ 10م الذي کان عصر الانقسامات الداخلیة في المذهب الحنفي لأهل السنة و الجماعة، لم یذکر سوی اسم الفقهاء السلفیین، مثل أبي أحمد العیاضي و أبي القاسم الحکیم و أبي اللیث السمرقندي، فلم یذکر المتکلمون ذوو النزعة العقلیة رغم شهرتهم الواسعة، مثل أبي منصور الماتریدي و أبي الحسن الرُستُفَغني، و کذلک صوفیة القرن 4هـ الحنفیین. ورغم أن ذکر رجال هذا القرن في الفهرس المذکور لایتعلق بشخص أبي القاسم الحکیم، إلا أن من شدنه أن یبین إلی حدٍ ما مکانة أبي القاسم في سلسلة العلماء الحنفیین و یسلط الضوء علی أسلافه و أخلافه في هذه السلسلة.

وعلی أیة حال، فإن مدرسة العقائدیة لأبي القاسم الحکیم و رسالته في الاعتقاد کانا یحظیان بالاهتمام کثیراً طیلة عهد حکم السامانیین. و في النصف الثاني من القرن 4هـ/ 10م أمر الأمیر نوح الساماني (حکـ 366-387هـ) أن تترجم إلی الفارسیة لیستفید منها الجمیع (ظ: مقدمة، 19). إن تأثیر شخصیة أبي القاسم الحکیم علی أتباع التیارات المختلفة کان ینظر إلیه بعین التأیید بشکل شامل (مثلاً ظ: الکلاباذي، 33؛ النسفي، 1/360). وفي السنوات التالیة حیث کانت قد ظهرت موجة التوافق بین التیارات المختلفة للحنفیین من أهل السنة و الجماعة، حظي أبوالقاسم بمنزلة خاصة من الناحیة التاریخیة بحیث إن المتکلمین الماتریدیین کانوا یعتبرونه قریباً منهم، فیما کان الصوفیون یعدونه من جملة شیوخهم.

وقد حکی أبوالحسن علي بن سعید الرستفغني، تلمیذ الماتریدي رؤیا تشیر إلی تبرک أبي القاسم و الماتریدي بأبي نصر العیاضي باعتبارهما خلیفتیه (ظ: السمعاني، 6/117). ویلاحظ اسما هذین الشخصین أیضاً في تبصرة الأدلة لأبي المعین النسفي (1/357) أحد أتباع الماتریدي، إلی جانب بعضهما البعض باعتبارهما أخلاف العیاضي. ویذکر النسفي أیضاً أن أبا القاسم أمر بعد وفاة الماتریدي بأن یُکتب علی قبره ثناء بلیغ (1/358). وقد بلغت هذه العلاقة في المؤلفات الحنفیة المتأخرة حداً بحیث عُدَّ أبوالقاسم من تلامذة الماتریدي في الفقه و الکلام (ظ: عبدالقادر، 1/139).

 

أبوالقاسم و الحکمة و التصوف

إن الاهتمام الشدید للمتصوفة بشخصیة أبي القاسم خلال قرون طویلة کان یؤدي أحیاناً إلی أن یعتبر صوفیاً، إلا أن انضمام أبي القاسم إلی التیار العقائدي للفقهاء السلفیین، وفي الطرف المقابل للمتصوفة، و خصوصاً في مسألة الإرجاء (ظ: السطور السابقة)، و سلوک أبي القاسم في حیاته الشخصیة والاجتماعیة، وإشارات مصادر الترجمة حول الشخصیة العلمیة والمعنویة له، کل ذلک یمثل قرائن علی التسامح في إطلاق صفة «الصوفي» علی أبي القاسم:

وفیما یتعلق بمسألة الإرجاء، فعلی الرغم من أن العبارات الصریحة في السواد الأعظم تدل علی میل أبي القاسم إلی الإرجاء، واعتقاده بعدم تأثر الإیمان بالذنب، إلا أنه یمکن أن تکون هناک حکایات کانت تنقل فیما بعد علی لسان أبي القاسم تفید بنوع من الارتباط بین العمل والأیمان، و زوال الإیمان بارتکاب بعض الذنوب، وذلک بهدف تقریب شخصیته إلی المتصوفة و أصحاب الحدیث (مثلاً ظ: أبواللیث، تنبیه...، 488).

وفیما یتعلق بسلوک أبي القاسم، فیجب القول بأن تولیه لمنصب القضاء و کذلک الرفاهیة النسبیة التي کان یتمتع بها، لم تکن تروق لبعض المتصوفة، فکانت تدفعهم إلی الاعتراض، إلا أن انعکاسات هذه المواقف في صمادر الصوفیة کانت بشکل بحیث إنها توحي بأن هذه الاعتراضات کانت ناجمة عن قصر نظر المخالفین لأحوال أبي القاسم، وإنه هو نفسه کان یؤکد توافقه الباطني مع الصوفیة (ظ: المستملي، 237؛ أیضاً ظ: «بستان العارفین»، 320). وأما فیما یتعلق بتنویهات المصادر، فإن مایستحق الاهتمام به أن أبا القاسم کان من وجهة نظر المسعاني الرجالیة 04/207-208) رجلاً من الصالحین، یتحدث الناس عن حلمه و حکمته و حسن معاشرته. و هو من وجهة نظر أبي المعین النسفي (1/360) الذي یتکلم بوحي من خلفیته في الکلام الحنفي، عالم یتمتع بعلم واسع في علوم المعرفة و المعاملة إلی جانب الکلام و الفقه و التفسیر (للاطلاع علی تعبیرات مشابهة في المصادر الصوفیة، ظ: الکلاباذي، 33؛ الجامي، 124). وقد اعتبره الخواجه عبدالله الأنصاري في طبقات الصوفیة (ص 262-263) في معرض حدیثه عن أبي بکر الوراق، قدوة أبي القاسم في الطریقة، حکیماً عارفاً لاصوفیاً. وفي الحقیقة فإن مایلاحظ في المصادر المتعلقة بأصحاب الطریقة عند الحدیث عن أبي القاسم الحکیم، اعتباره من زمرة «المشایخ»، و هذه الصفة کانت تشمل – باعتبارها مصطلحاً عاماً – الجماعات المختلفة من الزهاد النساک و المؤدبین و المتصوفة (ظ: م.ن، 263؛ حمد الله،676-677؛ الجامي، ن.ص).

ورغم أن الصوفیین نسبوا إلی أبي القاسم تألیف کتاب في باب الطریقة (ظ: قسم الآثار)، لا أن ماطرحه بشکل عملي باعتباره أحد المشایخ و أضفی علیه شخصیة معنویة، هو کلماته الحکمیة. و هذه الخصوصیة هي التي أدت إلی اشتهاره بلقب «الحکیم» (ظ: المسعاني، 4/208). واستناداً إلی قول السمعاني (ن.ص) فإن مواعظه و کلماته الحکمیة التي کانت تنقل عنه باعتباره «أبوالقاسم الحکیم»، کانت منتشرة منذ القدم بشکل واسع في أقطار العالم الإسلامي. ولکن یبدو من الواجب حصر أقطار العالم الإسلامي الآنفة الذکر بماوراء النهر و خراسان في الغالب. وعلی سبیل المثال فیمکننا ملاحظة کلماته الحکمیة في المؤلفات التالیة، وقد ألفت کلها قبل السمعاني، و ذکرت جمیعها القائل تحت عنوان «أبي القاسم الحکیم» (وفي بعض المواضع باسم أبي القاسم الحکیم السمرقندي)، مثل تنبیه الغافلین (ص 295) لأبي اللیث السمرقندي (تـ 373هـ)؛ و «عیوب النفس» (ص 92) لأبي عبدالرحمان السلمي (ــ 412هـ)؛ والرسالة (ص 126، 183) لأبي القاسم القشیري (تـ465هـ)؛ و طبقات الصوفیة (ص 506) للخواجه عبدالله الأنصاري (تـ 481)؛ وروضة الفریقین (ص 118-119) لأبي الرجاء الشاشي (تـ 516، أو 517هـ)؛ و «منتخب رونق المجالس» (ص 179، 320) لأبي حفص السمرقندي (تـ بعد 543هـ) والکثیر من المؤلفات الأخری.

ومما یجدر ذکره أنه یُلاحظ أحیاناً أشخاص تحت عنوان «أبوالقاسم الحکیم» في بعض تألیفات الصوفیین و هم لاینطبقون علی أبي القاسم إسحاق بن محمد السمرقندي. و في هذه الحالة علینا أننعتبر الحکایات المذکورة حولهم متعلقة بأشخاص آخرین أو مختلقة. ومن جملة ذلک أن محمد بن المنور المیهني ذکر في أسرار التوحید (1/166) أبا لاقاسم الحکیم معتبراً إیاه من أهل سرخس، و أنه التقی أبا سعید بن أبي الخیر. کما تحدث عبدالرزاق الکرماني (ص 96) عن أبي القاسم آخر کانت له مناظرة مع أبي علي مسکویه.

 

آثاره

1. السواد الأعظم، طبع الأصل العربي لهذا الکتاب لمرات عدیدة، و من جملتها في بولاق (1253هـ) و إستانبول (1304هـ)، إلا أن طبعة محققة لم تصدر له إلی الآن. طبعت ترجمته الفارسیة القدیمة التي أعدت بأمر الأمیر نوح السامني ولم یعرف مترجمها، في 1348ش بتحقیق عبدالحي حبیبي في طهرارن. و توجد فیها اختلافات في المحتوی عن النص العربي. و تلاحظ هذه الاختلافات خصوصاً في ذکر تراجم رجال القرن 4هـ/ 10م، مثل أبي الحسن الکرخي (ص 153) وأبي اللیث السمرقندي (ص 146) وقد أعید النظر في الترجمة الفارسیة للسواد الأعظم، وأعیدت کتابتها في 795هـ/1393م من قبل الخواجه محمد پارسا الحافظي البخاري أحد المتصوفة النقشبندیین، وأطلق علیه عنوان العقائد. توجد نسخة منه في مکتبة مجلس الشوری الإسلامي تحت رقم13613 (دانش پژوه، 1/112). کما طبعت الترجمة الترکیة للکتاب، وقد قام بها عیني أفندي البلغاري، في 1258هـ ببولاق، و ترجمته التتاریة في 1880م بقازان. کتبت بعض الشروح علی کتاب السواد الأعظم، منها: شرح ابن خلف الباجي (تـ 474هـ)، و شرح الهروي، وشرح محمد بن عبدالباقي الزرقاني (تـ 1122هـ)، وتوجد مخطوطاتها في دارالکتب بمصر (ظ: GAL, I/183). کما یوجد شرح آخر باسم سلام الأحکام علی السواد الأعظم في الکلام لإبراهیم حلمي بن حسین الوفي (ط الأستانة، 1313هـ). ومما یجدر قوله إن تألیف السواد الأعظم نسب في بعض مخطوطاته إلی أبي حفص الکیر البخاري (تـ217هـ/ 832م) الذي کان من رُواد المذهب الحنفي لأهل السنة و الجماعة، ولاوجه له (مثلاً ظ: دوسلان، رقم 824).

2. رسالة في (أن) الإیمان جزء من العمل أم لا، و هي رسالة في تأیید نظریة الإرجاء الحنفیة، و نسبت إلی أبي القاسم الحکیم. و قد طبعت في إستانبول في 1403 هـ مع السواد الأعظم.

إن مما یستحق التأمل فیه هو ماهیة نسخة الصحائف الإلهیة وانتسابها إلی أبي القاسم الحکیم، والتي تم تعریف مخطوطتها في فهرس المکتبة الأزهریة (الأزهریة، 3/271). ولیس من المستبعد أن یکون هذا الکتاب نسخة من السواد الأعظم.

کما نسب تألیف بعض الآثار الأخری إلی أبي القاسم السمرقندي ولم یصلنا أثر منها، وإن أصل نسبتها إلیه یجب أن ینظر إلیه بعین الشک إلی حدِما. وهذه الآثار هي عبارة عن: کتاب في باب المعاملات والسلوک مع الآخرین في اصطلاح الصوفیة، و الذي نسبه الکلاباذي إلیه (ص 33). ومن الممکن أن یکون هو نفسه الذي ذکره الهجویري (ص 439) بعنوان مدونة في «صحبة المشایخ»؛ وکتاب في التفسیر،نسبه إلیه دارا شکوه (ص 79)، دون ذکر المصدر الذي استند إلیه في قوله. کما احتمل مادیلونغ (إیرانیکا) أن یکون أبوالقاسم الحکیم هو نفسه الحکیم القاضي مؤلف کتاب بعنوان مختصر في الحیض (ظ: ابن قطلوبغا، 26).

 

المصادر

ابن قطلوبغا، قاسم، تاج التراجم، بغداد، 1962م؛ أبوحص السمرقندي، عمر، «منتخب رونق المجالس»، دو رسالۀ فارسی کهن در تصوف، تقـ: أحمدعلي رجائي، طهران، 1354هـ؛ أبوحنیفة، النعمان، العالم و المتعلم، تقـ: محمد رواس قلعه‌جي، حلب، 1392هـ/ 1972م؛ أبوالرجاء الشاشي، المؤمّل، روضة الفریقین، تقـ: عبدالحي حبیبي،طهران، 1359ش؛ أبوالقاسم الحکیم السمرقندي، إسحاق، السواد الأعظم، ترجمة قدیمة إلی الفارسیة، تقـ: عبدالحي حبیبي، طهران، 1348ش؛ أبواللیث السمرقندي،نصر، «بستان العارفین»، في حاشیة تنبیه الغافلین، دلهي، مکتبة إشاعة الإسلام؛ م.ن، تنبیه الغافلین، تقـ: أحمد سلام، بیروت، 1406هـ/1986م؛ الأزهریة الفهرست؛ «بستان العارفین»، المنسوب إلی محمد بن أحمد الطبسي، دو رسالة فارسي کهن در تصوف (ظ: همـ أبوحفص)؛ الجامي، عبدالرحمان، نفحات الأنس، تقـ: مهدي توحیدي‌پور، طهران، 1362ش؛ حمدالله المستوفي، تاریخ گزیده، تقـ: عبدالحسین نوائي، طهران، 1362ش؛ الخواجه عبدالله الأنصاري، طبقات الصوفیة، تقـ: عبدالحي حبیبي، طهران، 1362ش؛ دارا شکوه، محمد، سکینة الأولیاء، تقـ: تاراچند و جلال نائیني، طهران، 1344ش؛ دانش پژوه، محمدتقي و بهاءالدین أنواري، فهرست کتابهاي خطي کتابخانۀ مجلس سنا، طهران، 1359ش؛ السلمي،محمد، طبقات الصفویة، تقـ: یوهانس پدرسن، لیدن، 196م؛ م.ن، «عیوب النفس و مداواتها...»، مجموعۀ آثار أبوعبدالرحمان سلمي، تقـ: نصرالله پور جوادي، طهران، 1365ش؛ السمرقندي، محمد، «قندیه»، قندیه و سمریه، تقـ: إیرج أفشار، طهران، 1367ش؛ السمعاني، عبدالکریم، الأنساب، تقـ: عبدالرحمان بن یحیی المعلمي، حیدرآبادالدکن، 1401هـ/1981م؛ الطحاوي، أحمد، العقیدة، بیروت، 1408هـ/1988م؛ عبدالرزاق الکرماني، «رسالة»، مجموعۀ در ترجمۀ أحوال شاه نعمت‌الله ولي کرماني، تقـ: جان أوین، طهران، 1361ش/ 1982م؛ عبدالقادر القرشي، الجواهر المضیئة في طبقات الحنفیة، حیدرآبادالدکن، 1332هـ؛ الغزي، نفي الدین، الطبقات السنیة، تقـ: عبدالفتاح محمد العلو، الریاض، 1403هـ/ 1983م؛ غلام سرور اللاهوري، خزینة الأصفیاء، لکناو، 1290هـ/1873م؛ الفقه الأکبر (2)، القاهرة، مکتبة محمدعلي صبیح وأولاده؛ القشیري،عبدالکریم، الرسالة القشیریة، تقـ: معروف زریق وعلي عبدالحمید بلطه‌جي، بیروت، 1408هـ/1988م؛ الکلاباذي، محمد، التعرف لمذهب أهل التصوف، تقـ: عبدالحلیممحمد و طه عبدالباقي سرور، بیروت، 1400هـ/ 1980م؛ اللکنوي، محمد عبدالحي، الفوائد البهیة فيتراجم الحنفیة، القاهرة، 1324هـ/ 1906م؛ الماتریدي، محمد، التوحید، تقـ: فتح الله خلیف، بیروت، 1986م؛ م.ن، «العقیدة»، ضمن شرح السیف المشهور لعبد الوهاب السبکي، تقـ: مصطفی صائم یپرم، إستانبول، 1989م؛ محمد بن المنور، أسرار التوحید، تقـ: محمدرضا شفیعي کدکني، طهران، 1366ش؛ لامستملي البخاري، إسماعیل، شرح التعرف، تقـ: محمد روشن، طهران، 1363ش؛ مقدمة مترجم مجهول علی السواد الأعظم (ظ: همـ، أبوالقاسم الحکیم)؛ النسفي، أبوالمعین، تبصرة الأدلة، تقـ: کلود سلامة، دمشق، 1990م؛ الهجویري، علي، کشف المحجوب، تقـ: فالنتین جوکوفسکي، سان پترسبورغ، 1344هـ/ 1926م؛ وأیضاً:

De Slane; GAL; GAS; Iranica; Ritter, H., «Philologika, Muhammedanische Häresiographen», Der Islam, 1929, vol. XVIII.

أحمد پاکتچي/ خ.

تسجیل الدخول في موقع الویب

احفظني في ذاکرتك

مستخدم جدید؟ تسجیل في الموقع

هل نسيت کلمة السر؟ إعادة کلمة السر

تم إرسال رمز التحقق إلى رقم هاتفك المحمول

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.:

التسجیل

عضویت در خبرنامه.

هل تم تسجیلک سابقاً؟ الدخول

enterverifycode

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.: